ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )
15
المسالك والممالك ( ط مصر )
أول الكتاب الحمد للّه مبدي النعم وولى الحمد ، وصلى اللّه على محمد وعلى آل محمد ، أما بعد فإني ذكرت في كتابي هذا أقاليم الأرض على الممالك ، وقصدت منها بلاد الإسلام بتفصيل مدنها ، وتقسيم ما يعود بالأعمال المجموعة إليها ، ولم أقصد الأقاليم السبعة التي عليها قسمة الأرض ، بل جعلت كل قطعة أفردتها مفردة مصوّرة ، تحكى موضع ذلك الإقليم ، ثم ذكرت ما يحيط به من الأماكن ، وما في أضعافه من المدن والبقاع المشهورة والبحار والأنهار ، وما يحتاج إلى معرفته من جوامع ما يشتمل عليه ذلك الإقليم ، من غير أن استقصيت ذلك كراهة الإطالة ، التي تؤدى إلى ملال من قرأه ، ولأن الغرض في كتابي هذا تصوير هذه الأقاليم ، التي لم يذكرها أحد علمته ؛ أما ذكر مدنها وجبالها وأنهارها وبحارها والمسافات وسائر ما أنا ذاكره فقد يوجد في الأخبار ، ولا يتعذر على من أراد تقصّى شئ من ذلك من أهل كل بلد ، فلذلك تجوّزنا في ذكر المسافات والمدن وسائر ما نذكره ، فاتخذت لجميع الأرض التي يشتمل عليها البحر المحيط الذي لا يسلك صورة ، إذا نظر إليها ناظر علم مكان كل إقليم مما ذكرناه ، واتصال بعضه ببعض ، ومقدار كل إقليم من الأرض ، حتى إذا رأى كل إقليم من ذلك مفصّلا علم موقعه من هذه الصورة ، ولم تتسع هذه الصورة التي جمعت سائر الأقاليم لما يستحقه كل إقليم في صورته ، من مقدار الطول والعرض والاستدارة والتربيع والتثليث ، وسائر ما يكون عليه أشكال تلك الصورة ، فاكتفيت ببيان موقع كل إقليم ليعرف مكانه ، ثم أفردت لكل إقليم من بلاد الإسلام صورة على حدة ، بيّنت فيها شكل ذلك الإقليم وما يقع فيه من المدن ، وسائر ما يحتاج إليه علمه ، مما آتى على ذكره في موضعه إن شاء اللّه تعالى . ففصّلت بلاد الإسلام عشرين إقليما ، وابتدأت بديار العرب فجعلتها إقليما ، لأن فيها الكعبة ومكة أمّ القرى وهي واسطة هذه الأقاليم ، ثم أتبعت ديار العرب ببحر فارس لأنه يكتنف أكثر ديار العرب ، ثم ذكرت المغرب حتى انتهيت إلى مصر فذكرتها ، ثم ذكرت الشام ثم بحر الروم ثم الجزيرة ثم العراق ثم خوزستان ثم فارس ثم كرمان ثم المنصورة وما يتصل بها من بلاد السند والهند والإسلام ، ثم أذربيجان وما يتصل بها ، ثم كور الجبال ثم الديلم ثم بحر الخزر ثم المفازة التي بين فارس وخراسان ثم سجستان وما يتصل بها ثم خراسان ثم ما وراء النهر . فهذه صورة الأرض عامرها والخراب منها وهي مقسومة على الممالك . وعماد ممالك الأرض أربعة ، فأعمرها وأكثرها خيرا وأحسنها استقامة في السياسة وتقويم العمارات فيها مملكة إيرانشهر ، وقصبتها إقليم بابل وهي مملكة فارس ، وكان حدّ هذه المملكة في أيام العجم معلوما ، فلما جاء الإسلام أخذ من كل مملكة بنصيب ،