ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )

7

المسالك والممالك ( ط مصر )

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة حفز النجاح السياسي العظيم ، الذي ظفرت به الدولة الإسلامية في القرن الثاني للهجرة ، رجالها إلى اقتحام ميادين جديدة ، ميادين تعزز هذا النصر السياسي والحربي الذي كان يبعث الهيبة في القلوب ، ميادين تغزو العقول وتعمل بقوة تفوق قوة السيف ؛ اتجهت الدولة الإسلامية إلى تراث الأمم السابقة لها تأخذ منها ما يتلاءم وذوقها في الحياة وما يتفق ومنطقها في الدراسة ، لتبنى أسس هذا المجد العقلي الذي تطمح إليه ؛ ترجم المترجمون عن الفارسية واليونانية والسوريانية ترجمات أشرقت بعدها نهضة علمية تبشر بسلطان عظيم ، أخذت هذه النهضة العلمية تشع في كثير من نواحي النشاط العقلي ، إذ ساهم العقل الإسلامي مساهمة دفّاعة في هذه النهضة ، كان من أثرها هذا الفضل الذي اعترفت به البشرية ، والذي أتاح لتيار الحضارة أن يأخذ سبيله في مجراه . في مطلع هذه النهضة نشأ علم البلدان وهو المعروف في اصطلاحنا الحديث بالجغرافية الوصفية . قام علم البلدان وكانت الحياة العملية تتطلع إليه في شوق وفي إلحاح ، ذلك لأن التجارة كانت تريد منه أن يكون لها هاديا ومرشدا في دولة مترامية الأطراف واسعة الأرجاء مختلفة الشعوب والأجناس والألسنة ، كانت تريد أن تعرف سبلها ومسالكها ومن تعطى وما تأخذ ، ولقد وجدت في هذا العلم مبتغاها ، فأقبل عليه التجار والناس يطلبونه من أصحابه ، فظفر بتأييد أتاح له أن يتطور تطورا سريعا ، تطورا جعل علم البلدان في أوائل القرن الرابع الهجري علما كامل المعالم والأسس . ولقد أتاح اللّه لهذا العلم أفذاذا ، جابوا البلاد وتحملوا المشاق ، وعرفوا مسالكها وطرقها وناسها ، ووقفوا على طبيعة البلاد التي زاروها وحياة أهلها الاجتماعية ، ودوّنوا ما رأوا وما خبروا وما سمعوا ، حريصين أن يبيّنوا ما رأوا وما سمعوا ، فخرجت كتبهم نورا يهدى ، ومرشدا لا يضل ولا يضلل ، وحظى بالذكر من بين هؤلاء ابن خرداذبه والجيهانى وأبو الفرج قدامة بن جعفر وأبو زيد البلخي وغيرهم ، ولقد بلغ من أهمية كتاب ابن خرداذبه وكتاب الجيهانى أنّ ابن حوقل كان يحرص كل الحرص على أن يرافقاه في حلّه وترحاله ، قال : [ وكان لا يفارقني