ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )
198
المسالك والممالك ( ط مصر )
إن تبويب الكتاب على هذا الوجه أمر يتفق والعقلية السائدة في عصر المؤلف ، ولكنّ الذي يؤخذ على الاصطخري في كتابه المسالك والممالك هو جعله المناسبة - عارضة كانت أو غير عارضة - طريقا يثب عليه للحديث عن موضوع آخر ، وهذا العيب - وإن كان محدودا في كتاب الاصطخري - إلا أنه لا يخلى المؤلف من المؤاخذة ، ذلك لأننا نراه يثب من الحديث عن بلاد العرب إلى الحديث عن بحر فارس ، معلّلا هذه الوثبة بأن هذا البحر يكتنف أكثر ديار العرب ، ولكن هذا التعليل هو في حقيقة الأمر تغطية لاتخاذه المناسبة أساسا للحديث عن هذا الموضوع ، وهذه خصلة نجدها شائعة في الكتب العربية القديمة ، ونقول إن هذا التعليل للتغطية لأن بحر فارس ( أو المحيط الهندي بالمصطلح الحديث ) يكتنف ديارا أهلها غير عرب مثل فارس والسند والهند وما سماه الجغرافيون العرب الصين ، ومثل اكتناف بحر فارس لبلاد العرب مثل بحر القلزم ( البحر الأحمر ) فلم اختار المؤلف بحر فارس وترك بحر القلزم ؟ ذلك أمر صمت عنه ، بل لماذا - إذا كان التعليل صحيحا - لم يفرد لبحر القلزم حديثا وهو بحر يفرق بين قارتين ؟ هذا العيب في التأليف لا ينفرد به المؤلف وحده ، بل هو شائع في المؤلفات العربية القديمة في مختلف العلوم وخاصة في المؤلفات الأدبية ، ولكن الذي يغفر للمؤلف زلّته أنه لم يمض في هذه السبيل مضاء غيره من المؤلفين ، ذلك لأنه ارتد إلى منطقه في علم الجغرافية وأخذ يتحدث عن الأقاليم مرتبة من الغرب إلى الشرق ، وأخذ يفصّلها وفق المنهج الذي رسمه لنفسه في مقدمة كتابه المسالك والممالك . هذا الترتيب وذلك التبويب الذي أجمعت عليه كل المصادر التي عاونت دى جويه في نشر كتاب الاصطخري ، نجدهما ملتزمين في مخطوطة دار الكتب المصرية رقم 199 جغرافية ، التي كانت في حوزة العالم المصري على باشا مبارك وأهديت لدار الكتب ، والتي كانت أحد العمد الرئيسية في عرضنا لكتاب الاصطخري ، باعتبار أنها مخطوطة لم تستخدم في نشر الكتاب من قبل ، يضاف إلى ذلك أن مخطوطة دار الكتب تلتزم نفس الطريق الذي تلتزم به المخطوطات الأخرى ، في وضع المصورات الجغرافية في مطلع الحديث عن الإقليم ، وهو الأساس الذي فرضه الاصطخري على نفسه وهو يؤلف كتابه المسالك والممالك . ونحن إذا تجاوزنا هذا الشكل العام لتنظيم الكتاب وذهبنا إلى مصورات المخطوطات الأخرى المنسوبة للاصطخرى نجدها بوجه عام مشابهة لمصورات مخطوطة دار الكتب ، لا نلحظ فيها اختلافا يدعو إلى الريبة أو الشك في نسبة هذه المخطوطة للاصطخرى ، ونقول بوجه عام لأن راسم مصورات مخطوطة دار الكتب يتميز عن غيره بآيتين ، الأولى هي : الزخرفة والتلوين ، والثانية هي : الذوق في الرسم . فهذه الزخرفة لتجعل منظر الصورة جميلا طغى على تمام المشابهة ، ونحن نقول هذا استنتاجا لأن الدقة في النقل عن الاصطخري لا يمكن أن نصل إليه من مخطوطة بعينها دون غيرها من المخطوطات الأخرى ، ذلك لأن الأصل الذي وضعه الاصطخري قد أبلاه الزمن ، ولم يبق إلا هذه المصورات المنقولة ، والمصورات مهما بدت متماثلة فلا بد من وجود اختلاف ،