أحمد بن يحيى العمري
395
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ووصل الخبر بذلك وعقد العزاء بجامع دمشق في سابع جمادى الأولى . وكان هذا الناصر قد تولى مملكة حلب بعد موت أبيه العزيز وعمره سبع سنين « 1 » ، وأقامت جدته ضيفة خاتون بنت العادل بتدبير مملكته ، واستقل بملك حران والرّها والرقّة ورأس عين وما مع ذلك من البلاد ، ثم ملك حمص ودمشق وبعلبك والأغوار والسواحل إلى غزّة ، وعظم شأنه ، وكسر عساكر مصر ، وخطب له بمصر وقلعة الجبل ، وكان يذبح في مطبخه كل يوم أربع مئة رأس غنم ، وكانت سماطاته وتجمله إلى الغاية القصوى ، وكان حليما ، وتجاوز به الحلم إلى حد أضرّ بالمملكة ، فإنه لما أمنت قطاع الطريق في مملكته من القتل والقطع تجاوزوا الحد في الفساد ، وانقطعت الطرق في أيامه وبقي لا يقدر المسافر على السفر من دمشق إلى حماة وغيرها إلا برفقة من العسكر ، وكثر طمع العرب والتركمان في أيامه ، [ وكثرت الحرامية ] « 2 » وكانوا يكبسون الزروع ، ومع ذلك إذا حضر القاتل بين يدي الناصر المذكور يقول : الحي خير من الميت ويطلقه ، فأدى ذلك إلى انقطاع الطرقات والسبل بالحراميّة ، وكان هذا على ذهن الناصر المذكور شيء كثير من الأدب والشعر ، وتروى له أشعار كثيرة ، منها : ( الطويل ) فوالله لو قطّعت قلبي تأسفا * وجرّعتني كاسات دمعي دما صرفا لما زادني إلّا هوى ومحبة * ولا اتخذت روحي سواك لها إلفا ( 321 ) وبنى بدمشق مدرسة قريبة من الجامع تعرف بالناصرية « 3 » ، وأوقف عليها وقفا جليلا ، ووقف بالصالحية تربة غرّم عليها جملا مستكثرة فدفن فيها
--> ( 1 ) : تقدم ذكره مملكته في سنة 634 ه ، ص 300 ، وراجع : ص 282 حاشية : 4 . ( 2 ) : ساقطة من الأصل ، والإضافة من ( أبو الفدا 3 / 212 ) . ( 3 ) : هي المدرسة الناصرية الجوانية ، ويعود إنشاؤها إلى سنة 654 ه / 1256 م ، انظر : ابن كثير : البداية 13 / 193 ، العلبي : خطط دمشق ، ص 165 - 166 .