أحمد بن يحيى العمري

89

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

العباسية منها بضرة ، إلا أنها غير حسناء ، وابتزت بصفيحة صقيل إلا أنها ليست بخشناء ، فأما المغرب إلى آخر حدود مصر ، فما زعزع لهم فيها سرير ، ولا نزع لهم فيها طاعة أمير ، وأما الحجاز واليمن والشام فكانت تكون بينهم وبين الدولة العباسية ، أو الناجمين فيها دول الأيام ، ثم أصحب اليمن لدعاتهم ، وسهّل ما استصعب لدعاتهم ، وكانوا في أول الحال ملوك استقلال ، ثم غلبت عليها الوزراء ، ورمت حينها من الاعتلال ، ونحن نذكر دول الحسينيين ممن اشتهر وتراءى فجر ملكه وظهر ، ولا أقول إلا موجزا ، ولا أعد من أخبارهم إلا بما أؤمّل أن أكون له منجزا ، وأبدأ بالدولة العبيدية ، وها أنا أذكرها وأصفها ، وإن كنت لا أشكرها ، وأصف بعض أيامها وإن لم يبق منها إلا تذكرها ، وبالله التوفيق ومنه المدد ، والهدى إلى الجدد . ذكر الدّولة العبيديّة نشأت بالغرب ، ثم كانت بمصر ، ولبثت أحقابا ، وعبثت عفوا وعقابا ، وعطلت فيها الشرائع ، وبطلت الذرائع ، وشدد فيها على المحدثين والمؤرخين وعلماء الأنساب ، لئلا يظهر بهرج نسبهم الدعي ، وزيف مذهبهم غير الشرعي ، نسبوا علم الرفض ، ودعوا الناس إلى هذا الشنار ، وادعوا أنهم أئمة ولكنهم يهدون إلى النار ، فلقد كانت ظلامات رفض ، وظلمات بعضها فوق بعض ، على أن من ردد في معتقدهم النظر ، علم أنما غاب عنه منهم أكثر مما حضر ، فإنهم طائفة ممن يعتقد الحلول « 1 » ، وتعتضد بما لا يعقد عليه من المعتقد المحلول ، ممن تقول بتناسخ الأرواح « 2 » ، وتناسي بعض النفوس لهياكل الأشباح ، ولهم على

--> ( 1 ) الحلول : اتحاد الجسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر ، ومذهب الحلول : القول بأن الله سبحانه حالّ في كل شيء ، والحلولية فرقة من المتصوفة تعتقد مذهب الحلول . ( 2 ) التناسخ : تناسخ الروح ، عقيدة شاع أمرها بين الهنود وغيرهم من الأمم القديمة ، مؤداها أن روح -