أحمد بن يحيى العمري

8

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

أما نثره فلعله في ذروة كان أوج الفاضل لها حضيضا ، ولا أرى أحدا يلحقه فيه جودة وسرعة عمل لما يحاوله في أي معنى أراد ، وأي مقام توخاه ، وأما نظمه فلعله لا يلحقه فيه إلا الأفراد ، وأضاف الله تعالى إلى ذلك كله حسن الذوق الذي هو العمدة في كل فن ) « 1 » . كان ابن فضل الله العمري ذا ثقافة واسعة ، قل أن يتحصل عليها غيره في شتى العلوم والفنون ، كان علمه بالتاريخ منقطع النظير ، فهو على دراية واسعة بتواريخ ملوك المغول من لدن جنكيز خان وهلمّ جرا ، وكذلك بملوك الهند والأتراك ، فضلا عن ملوك العرب من الخلفاء والأمراء ، وكان متفردا بمعرفة المسالك والممالك وخطوط الأقاليم ، ومواقع البلدان وخواصها ، يشهد على ذلك كتابه ( مسالك الأبصار ) هذا ، وكذلك علمه بمعرفة الأسطرلاب وحل التقويم وصور الكواكب ، وبخطوط الأفاضل وأشياخ الكتابة . انصرف العمري إلى الكتابة والتأليف ، وترك وظائف الدولة ، وأتيحت له حياة مستقرة مرفهة ، فقد رتبت له مرتبات كثيرة بعد تركه عمل السلطان ، وعاش في نعمة ، وعمّر دارا هائلة بسفح قاسيون بالقرب من الركنية في شرقيها ، ليس بالسفح مثلها . ولو امتد به العمر لأعطى عطاء كثيرا فوق عطائه الغزير ، فقد توفي وهو في أوج نضجه الفكري والعلمي في الخمسين من العمر ، وكانت وفاته بالطاعون ، فقد وقع الطاعون بدمشق سنة تسع وأربعين وسبع مائة ، ففرق من ذلك وعزم على الحج ، واشترى الجمال وبعض الآلات ، ثم إنه ترك ذلك وتوجه بزوجته ابنة عمه إلى القدس ومعهما ولداه ، وصاموا هناك ، فماتت زوجته بالقدس في شهر رمضان ، وحضر إلى دمشق وهو طائر العقل ، فيوم وصوله برد وحصل له حمّى أضعفته ، فتوفي رحمه الله يوم عرفة سنة تسع وأربعين وسبع

--> ( 1 ) الوافي بالوفيات 8 / 253 - 254 .