أحمد بن يحيى العمري

71

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وتوفي قتيلا في حمام القصر بقرطبة صبيحة يوم الأحد ثاني ذي القعدة سنة ثمان وأربع مائة ، وهو ابن تسع وأربعين سنة ، وكانت مدته سنة وأحد عشر شهرا ، غير أيام ، وكان أسمر أعين تلفاعة « 1 » ، لا ينظر شيئا بعينه إلا أسرعت الآفة إليه ، انتهى كلامه . قلت : وكان غشوما ظلوما سفاكا للدماء ، نهّابا للأموال ، منتهكا للحرمات ، فاشتد على أهل قرطبة [ ص 29 ] البلاء ، فلزموا البيوت ، وتغيبوا في المطامير « 2 » ، وتعلقوا بذوائب الجبال ، إلا اليسير ، وانبسطت أيدي البربر على الخلق ، واتسع الخرق ، فأغلقت الحوانيت ، وانقطعت الطرق والسباريت « 3 » ، حتى وثب عليه الصقالبة في الحمام ، فعجلوا له الحمام ، فقتله الله بأضعف خلقه ، في وسط داره ، بأقرب فتيانه ، من غير روية ولا تدبير ، إلا ما ألقى الله في نفوسهم ، واجتمع في قتله ثلاثة مرد من المقربين إليه ، كان قد عشق أحدهم وراوده عن نفسه ، فامتنع ورد عن نفسه ودفع ، فأبى إلا أن يعتلجه « 4 » ، وذاك إلا أن يجزيه أجر ما صنع ، فتقدم واحد منهم اسمه منجح ، فضربه على دماغه بكوب نحاس ، فصرعه ، وابتدره الاثنان : لبيب وعجيب ، فوجأوه بخناجرهم وقطعوه فباد الزاجرهم « 5 » ، وكف الله عاديته ، وصرف رائحته وغاديته ، وذلك يوم الأحد غرة ذي القعدة سنة ثمان وأربع مائة ، وفرّ قتلته ونجوا ، وقيل قتلوا ، وقد ذكر ابن بسام ، أن المستعين الأموي « 6 » لما تمالأ عليه بنو عمه ، وأمل علي بن حمود

--> ( 1 ) الأعين الحسن العين ، والواسع العين ، وكنى بها هنا عن الحسد ، والتلفاعة : المشتمل على الشيء والملتف به ، كناية عن احتياز الشيء وأخذ مال الآخرين . ( 2 ) المطامير : المخابئ والكهوف ، والمطمورة : السجن . ( 3 ) السباريت : القفار ، جمع سبروت ، يقال : أرض سبروت ، خالية قفر . ( 4 ) يعتلجه : يشتد عليه ويصرعه . ( 5 ) في الأصل : كباد الزاجرهم ، ولم أجد لها وجها . ( 6 ) المستعين الأموي : سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر الأموي ، أبو أيوب ، من -