أحمد بن يحيى العمري
52
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
سيّد سادة ، ورأس سيادة ، ومثقف رأي لم يعدم سدادة ، ومسدد سهم لم يحظ حظه سعادة ، قال ابن الحصين : دخلت مكة سنة أربع وخمسين وأربع مائة ، والفتنة قائمة بين الحسنيين والسليمانيين منهم ، ولم يكن للسليمانيين رأس يقوم بهم بعد الأمير شكر ، فتقدم محمد بن جعفر ، وأوقع بين بني سليمان ، واستولت الهواشم على مكة ، وطردوا السليمانيين إلى اليمن ، واستقلّ بالأمر وخطب للمستنصر الفاطمي ، ثم خطب للقائم العباسي ، وأبدل بياض الشعار الفاطمي بسواد الشعار العباسي « 1 » ، وقال وهو يخطب : الحمد لله الذي هدانا أهل بيته للرأي المصيب ، وعوض بيته بلبسه السواد بعد لبسه المشيب ، وأمال قلوبنا إلى الطاعة ، ومبايعة إمام الجماعة ، ثم تكلم بعد هذا بما يناسب ، فلما انتهى قام محمد بن إبراهيم الأسدي « 2 » أمام قبة العباس وأنشد : [ الوافر ] بني العباس عاد الأمر فيكم * وإرث أبيكم أضحى مستقيما فزمزم ليس تروي غير تال * مديحكم وفخركم القديما
--> - قصيرة ، واستمر إلى أن توفي ، كان على غاية القوة ضرب فارسا بالسيف فقطع درعه وجسده وفرسه ، وهو أول من أعاد الخطبة العباسية بمكة ، بعد أن قطعت نحو مائة سنة ، قال ابن ظهيرة : بالغ ابن الأثير في ذمه ، وقال لما ذكر وفاته : ( ما له ما يمدح به ) ، ولعل ذلك لنهبه الحاج وقتله خلقا كثيرا منهم سنة 486 ، ولأخذه حلية الكعبة سنة 462 ، وكانت وفاته عن نيف وسبعين سنة ، سنة 487 ه . ( الكامل حوادث سنة 487 ، ابن ظهيرة ص 307 ، صبح الأعشى 4 / 270 ، خلاصة الكلام ص 18 ) ( 1 ) كذا بالأصل ، والصواب أن يقول : أبدل ببياض الشعار الفاطمي سواد الشعار العباسي ، لأن الباء تدخل على المتروك ، وهو يقصد أنه لبس السواد بعد البياض كما سيأتي . ( 2 ) محمد بن إبراهيم الأسدي : شاعر من أهل مكة ، لقي أبا حسن التهامي في صباه وتصدى لمعارضته ، وسافر إلى اليمن والعراق ، وخدم الوزير أبا القاسم النغربي ، ثم رحل إلى خراسان وتوفي بغزنة سنة 500 ه . ( معاهد التنصيص 3 / 201 ، المنتظم 9 / 153 )