أحمد بن يحيى العمري
26
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ذكره في موضعه من النسب ، وكان يلقب النفس الزكية ، وكان أبو جعفر المنصور قد بايعه في الدولة الأموية ، وأعطاه يمينه ، وأعطاه في عقد المبايعة يمينه ، وكان برّا تقيا طاهرا زكيا ، ولهذا كان يسمّى النفس الزكية ، ولم يقدر له ظهور في تلك الأيام الأول ، ولا على عهد السفاح ، فلما قبض المنصور على أبيه خرج عليه بالمدينة ، واحتج عليه بمبايعته المتقدمة ، ودارت بينهم كتب بديعة في إقامة الحجج ، وكان المنصور فيها الألد الخصم والأشد عقدا لا ينفصم ، وكان محمد بن عبد الله أيّدا « 1 » ، شرد لأبيه جمل فعدا جماعة خلفه فلم يلحقه أحد سواه ، فأمسك بذنبه ، فلم يزل يجاذبه حتى انقلع ، فرجع بالذنب في يده ، وكان يطلب الخلافة أيام بني أمية ويزعم أنه المهديّ المبشّر به ، وكان نهاية في العلم والزهد والشجاعة ، وأقام سنين مستترا في جبال طيء « 2 » ، مرة يرعى الغنم ومرة يعمل في المهن ، وأمسك المنصور أباه وعمه وطائفة من أهله لاحضاره وإحضار أخيه إبراهيم فجحدوا معرفتهما ، فحبسهم عليه ، ويقال إن المنصور كان قد بايع أباه عبد الله ومحمدا ابنه بعده ، وكانت له جارية معها ابن له صغير برضوى « 3 » ولد له في حال تستره [ ص 3 ] فردّى « 4 » نفسه من الجبل ، فقال فيه أبوه : [ السريع ] منخرق الخفين يشكو الوجى * تبكيه أطراف مرو حداد
--> ( 1 ) أيّدا : قويا شديدا ، الأيّد : القوي الشديد الصلب . ( 2 ) جبال طىء : يريد جبلي أجأ وسلمى . ( 3 ) رضوى : جبل بالمدينة ، وهو من ينبع على مسيرة يوم ، ومن المدينة على سبع مراحل ميامنة طريق مكة ومياسرة طريق البريراء لمن كان مصعدا إلى مكة . ( ياقوت : رضوى ) ( 4 ) ردّي بنفسه : رمى بنفسه من الجبل فهلك .