أحمد بن يحيى العمري
126
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
جلده ، ولا كان يظنها تصل إليه ولا إلى ولده ، وبايعه الناس وهو طفل لا قدر عليه ولا كفل ، وقام بأمره الصالح طلائع ، وقرر له المصالح الروائع ، ودام على مراعاة حاله ونهايته في التدبير نهاية العمل عليه في التدمير ، وقيل إن العاضد لما فعل كان كالمتعاضد « 1 » حتى أكمنت له المنايا كمون الشجاع ، ووثبت له وثبة الأسد المفترس إذا جاع ، وغالته [ ص 68 ] حيث لا يقدر على الارتجاع ، ولا يقتدر على الانتجاع ، ولبدت له في دهليز قصره ، وفي موضع حصره ، فقتل في الدهليز ، وقيل : من أين أتي في هذا الكنف الحريز ، وما أتي إلا من ذلك الكنف ، ولا لحقه لولا تلك الحياة التلف ، ولا خطّ طائره إلا من موضع أسف ، وأظهر عليه العاضد الأسف ، وكمدوا لبدره كيف انخسف ، ثم استوزر العاضد ابنه رزيك بن طلائع « 2 » ، ولقّبه بالملك العادل ، وقال : هذا لهذا يعادل ، ثم قتل رزيك بعد سنتين ، وكان هو وأبوه بالنسبة إلى ملوكهما حسنتين لا سيئتين فإنهما كانا ممن يتوسع في العطايا ، ويترفع عن المؤاخذة بالخطايا ، وكان قتله بأيدي العرب لما أخرجه شاور قريبا من القاهرة ، وأسف العاضد عليه ، وخاف أن يتكلم إن تكلّم ، فوزّر شاور « 3 » ولقّب أمير الجيوش ، وكان داهية ثلّالا للعروش ،
--> ( 1 ) قلت في النص غموض ، والمراد أن عمة العاضد كرهت استيلاء ابن رزيك على الحكم فدبرت قتله ، وكان العاضد موافقا لتدبيرها ، انظر هامش ترجمة طلائع بن رزيك ( 2 ) رزيك بن طلائع وزير عراقي الأصل ، نشأ بمصر في بيت أبيه ( الصالح بن رزيك ) وولي أبوه الوزارة للفائز الفاطمي سنة 549 ه ، ثم للعاضد سنة 555 ه ، دست عمة العاضد من قتل الصالح ، وكان العاضد صغير السن ، فحلف أنه برئ من قتله ، واستوزر رزيك بعد أبيه سنة 556 ه ، فكان أول ما باشره هذا قتل عمة العاضد وشركاءها في قتل أبيه ، وعزل شاور بن مجير السعدي والي قوص ، فثار عليه هذا ، وضعف رزيك عن لقائه ، فاعتقله شاور وقتله في محبسه بحجة أنه أراد الهرب سنة 557 ه . ( ابن خلدون 4 / 76 ) . ( 3 ) شاور بن مجير بن نزار السعدي : أبو شجاع من بني هوازن ، أمير من الولاة فيه نجابة وفروسية ، يلقب بأمير الجيوش ، ولي الصعيد الأعلى بمصر ، في أيام العاضد ، ثم قام بثورة استولى بها على وزارة مصر ، بعد أن قتل رزيك بن صالح سنة 557 ه ، واتهم بممالأة الإفرنج وأنه استعان بهم -