أحمد بن يحيى العمري
119
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ينل ، وعلى كاهل المنبر لم يعتل ، وبويع له في اليوم الذي مات فيه الآمر بولاية العهد ، ولم يصرح له بالخلافة ليروا رأيهم فيما بعد ، واستولى على ملكه أبو علي أحمد بن الأفضل أمير الجيوش ، وارتقى منه مرتقى عليّا ، وكان إماميا لا إسماعيليا ، فأسقط اسم الحافظ عن المنابر ودعا لأئمة الإمامية والمهدي المنتظر ، وأرى الإسماعيلية الموت وكل سرب محتضر ، ثم تقدم إلى المؤذنين بأن لا يذكر أحد آل إسماعيل في الأذان ، ويبطلوا ما كان زاد فيه من قولهم : محمد وعلي خير البشر ، ثم قتل أحمد بن الأفضل ورجع الأمر إلى الحافظ ، وسلّم الملك منه إلى الحافظ ، وبويع البيعة العامة ، وصرح باسم الخلافة ، ولقّب ذلك اليوم بالحافظ ، وسلّم عليه بإمرة المؤمنين ، وهو أول يوم لقب بهذا اللقب ، وسلم عليه ذلك السلام ، وأنجز له منه أمله المرتقب ، وكان الحافظ لا قدر عنده لمال ، ولا صدر بعض بآمال ، لأنه كان يسابق بداية الأمل ، فبدأ به على كل عمل بما نقل له كل كثير المواهب ، ويصغر كبير النعم الذواهب ، ولما استقل أعاد الدعوة الإسماعيلية ، وشد حبلها المنتكث ، وقوي سم أفعوانها المنبعث ، وأزال دعوة الإمامية وما طيب سميه إلا بسميه . ومن الكنوز قال : كان موصوفا بالبطش والتيقظ حتى إنه سطا على ولده وولي عهده ، قال : وللشعراء [ ص 64 ] فيه أمداح فيها غلو لا يحل سماعه ، ولا روايته ، وكان لهم نفاق « 1 » في مدته ، وجعل لهم صناعا ورواتب ، وأنزلهم في مراتب على قدر أقدارهم . قال القوطي : كان شديد المنافسة لا يريد لأحد فعلا غيره ، كان وهم بما رده الله دونه من نقل ساكن المدينة الشريفة زادها الله به تشريفا ، فخسف الله بمن جهّز لذلك في سرابهم « 2 » الذي حفروه ، وقيل بل
--> ( 1 ) نفاق : أي رواج . ( 2 ) السرب : المسلك في خفية ، وحفير تحت الأرض لا منفذ له ، وفي التنزيل ( فاتخذ سبيله في البحر سربا ) ( الكهف 61 ) .