أحمد بن يحيى العمري

107

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

عدم التصور ، ربما حدث بأنواع من [ ص 55 ] الحدثان ، وتكلم بأسجاع مثل سجع الكهان ، وعبدة الأوثان ، وبلغ مدة في الكبرياء ، ثم بقي مدة لا يأنف من مخالطة الأدنياء ، وكان يركب حمارا له ويدور ، وقدامه عبدان بأيديهما حربتان ، ويشق القاهرة ومصر ، ويخالط العامة ، ويخرج إلى الحاجر ، ويطلع إلى الجبل ، ثم ربما ردّ العبدين وسار وحده ، وغاب اليوم واليومين والمدة ، ثم يلاقيه الموكب إلى مكان يكون قد واعد إليه العبدين ، في وقت يوقته ، وميعاد لا يفوته ، ثم كشف الغطاء وباح ، وقال علوه واستراح ، وادّعى فيه الألوهية ، وقال مقالة فرعون ، ونصب نفسه للناس طاغوتا ، وأخذ بعض الناس بالقول أخذا مبغوتا ، وأمر بعض أشياعه بأن يحتال له في إظهار هذه المقالة ، وضم إليه قوما من الرجال القالة ، فأتى ذلك الداعي الشيطان الرجيم ، وأمر بأن يكتب : ( بسم الله الحاكم الرحمن الرحيم ) ، وجرى في هذا من الفتن ما ذهبت به نفائس ونفوس ، وانتهبت به أموال ورؤوس ، ودارت به دوائر سعود ونحوس ، وأماير نعيم وبؤس ، مما هو ملء التواريخ ، وتتضع له غرّ الذرى الشماريخ ، تبارك الله وتعالى جده ، ولا إله غيره ، وتقدس اسمه عما يقول الظالمون ، ويجهل الجهال ، أو يزل العالمون ، ثم لما عظم البلاء به ، فتفاقم وسقم به الملك أو تساقم ، خافت أخته أمة العزيز المعروفة بست الملك ، أن يقفر منهم دست الملك ، فتلطفت في تلك الحيلة ، وأكمنت له رجالا حتى قتلته غيلة ، وكان قد خرج في بعض مخارجه ، وتعرض في نواحي حلوان ، وطلب جهة برّ لا يأنس بها آنس ولا غيره من الحيوان ، ثم طالت غيبته ، وخالف عادته في ملاقاته ، في الوقت الذي كان يوقته ، فتعهد المكان الذي واعد فيه للملتقى ، وتفقّد ففقد إلى يوم اللقا ، ووجد هناك حماره وجبابه مزررة ، كأنها عليه وما فكّت أزراره ، إلا أن فيها آثار ضربات بالسكاكين ، ولا عليها دم ولا [ ص 56 ] آثار لوث يبين ، فقال الناس مات ، وقال أهل شيعته غاب وهو آئب . قلت : وإلى يومنا هذا ، وأظن إلى يوم النشور ، ثمّ من يقول بغيبة