أحمد بن يحيى العمري
100
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
الليل والخيل والبيداء مصاحبا ، بعزم لا يقصف سمهريّه ، ولا يقصى عن عاتقه مشرفيّه ، وكان قد وجّه إلى بغداد قصيدة يفخر ببيته ، ويسمع بها مبلغ صوته ، ويذكر فيها ما فتح من البلاد التي ملك ، وقدح بسنابك جياده في كلما سلك ، فأجابه الصولي بقصيدة على وزنها ورويها ، بصّر بحسنها ووريها ، وصبر القائم على منافذ طعانها ، ومآخذ لعانها ، وكان منها قوله : [ الطويل ] ولو كانت الدنيا مثالا لطائر * لكان لكم منها بما حزتم الذّنب وسيأتي ذكر هذا البيت في موضعه من الإنصاف بين المشرق والمغرب ، فحرّك هذا همّة القائم بالله على قصد جهة المشرق ، [ وقال ] : والله لا أراك حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت ، وإلا أهلك دونه ، فكابد على مصر من الحروب أهوالا ، وجاهد فيها رأيه وأنفق أموالا ، ومات ولم يظفر بحضرتها ، ولا اقتات طرفه بنظر نضرتها ، مع كونه عاث في أطرافها ، وعام في بحرها العباب وما التحف بطرفها . حكى مؤلف الكنوز : أنه اشتد حزنه على موت أبيه ، وأقام مدة يخفيه ، ولم يرق بعده شهرا ، ولا ركب من قصره مذ صار إليه الأمر إلا مرتين ، مرة صلى على جنازة ، ومرة صلى بالناس العيد ، وبدأ أمره بأن أمر عماله بعمل السلاح ، والاستعداد للقاء ، وجهز بعوثه إلى بلاد فاس وما حولها من بلاد المغرب ، فدوّخها ، ومولده بسلمية سنة ثمان ومائتين ، وبويع يوم أبيه ، وتوفي يوم الأحد ثالث عشر شوال سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة ، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة وسبعة أشهر . ثم ابنه :