أحمد بن يحيى العمري
376
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ثم ينقبونها نقبا صغيرا ويرونها ، فإن كانت سليمة قوّروها ، وإن كانت مجوفة عجلوا سدّها بالجص والكلس ، فإن منها ما يخشى منه مثل سيل العرم ، وإن لم يكن لها قوة الخروج . أو كانت الأرض صلبة فتحتاج إلى العلاج ، وهو أن ينحى عنه التراب حتى يظهر كماء الآبار والقنوات ، هذا إذا لم تكن مادتها كما ذكرنا من الأوشال بطريق النز « 1 » ، فسببها ظاهر . أما سبب اختلاف العيون التي في جوف الأرض وكهوف الجبال ، من الملوحة والعفوصة والكبريتية والنفطية ، فعلّة حرارتها أن المياه تسخن في الشتاء تحت الأرض وتبرد في الصيف ، بسبب أن الحرارة والبرودة ضدّان ، فلا يجتمعان في مكان واحد ، في زمان واحد . فإذا جاء الشتاء ، برد الجو ، وقرت الحرارة ، وأسخنت باطن الأرض وكهوف الجبال ، فإن كانت مواضعها كبريتية بأن تنصب إليها رطوبات دهنية ، كما قدمنا ذكره ، بقيت الحرارة فيها دائمة ( 221 ) بواسطة تلك الرطوبات الدهنية ، فلو جاز بهذه المواضع مياه أو جداول أو عروق نافذة ، تسخن لمرورها هناك ، وجوازها عليها ، ثم تخرج على وجه الأرض حارّة حامية . وان أصابها نسيم أو برد الجو فربما جمدت ، أو كانت غليظة ، وانعقدت فصارت زئبقا أو قيرا أو نفطا أو كبريتا أو ملحا أو بورقا أو ما شاكل ذلك ، بحسب اختلاف تربها ، وتغيرات أهوية أماكنها ، كل ذلك بتدبير الحكيم العليم .
--> ( 1 ) : النز : النزف والجري دون انقطاع .