أحمد بن يحيى العمري
370
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
تَمِيدَ بِكُمْ « 1 » ونحوه من الآيات الكريمة التي تدل على أن الأرض إنما كان « 2 » سبب ثباتها على الحال التي عليه من السكون وعدم الاضطراب والحركة ، هو أن الله تعالى أرسى فيها الجبال فسكّنها عن الاضطراب . نعم إن التحقيق أقرب في قوله إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ « 3 » . وإذا كان قد قال سبحانه خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها « 4 » فالأرض كذلك ، وإنما دخل الداخل بين المسلمين مما نقلته اليهود ، وتلقاه من [ في ] قلبه مرض ممن يعتقد أن الله في جهة ، فانشرح صدره لمثل هذه الأحاديث ونقلها عند المسلمين ، فتقبلها العامة حتى النساء والصبيان ينقلون معتقدين صحتها ، فنسأل الله العفو والعافية من البدع المضلة . عاد الكلام ورجع إذا تقرر ما تقدم ، فقد زعموا أن الأبخرة والأدخنة الكثيرة إذا اجتمعت تحت الأرض فلا تقاومها برودة ، حتى يصير ما قد تكون مادتها كثيرة لا تقبل التحليل بأدنى حرارة ، ويكون وجه الأرض صلبا لا يكون فيه منافذ ولا مسام ، فالبخارات إذا قصدت الصعود ( 216 ) لا تجد المسام والمنافذ ، فتهتز منها بقاع الأرض وتضطرب ، كما يرتعد بدن المحموم من شدة الحمى ، بسبب رطوبات عتيقة اختبأت في خلل أجزاء البدن ، فتشتعل « 5 » بها الحرارة الغريزية ، فتذيبها وتحللها وتصيرها دخانا وبخارا ، فتخرج من مسام جلد الإنسان فيهتز من ذلك البدن ويرتعد ، ولا يزال كذلك إلى أن تخرج تلك المواد كلها ، فإذا خرجت سكن البدن ورجع إلى حال الصحة ، فهكذا حركات بقاع الأرض
--> ( 1 ) : لقمان من الآية 10 . ( 2 ) : في الأصل : كانت . ( 3 ) : فاطر من الآية 41 . ( 4 ) : لقمان من الآية 10 . ( 5 ) : في الأصل : فتستغل .