أحمد بن يحيى العمري

227

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

الرياح فيهيج هيجانا شديدا ، فيطلبه أرسطوروس وهو الصدف في هذا الوقت ، ولا يطلب أرسطوروس أوقيانوس إلا في ريح عطوس ، وهي التي تلقح البحر ، فإذا أصفقته ريح عطوس ارتفع الصدف من قعر البحر الذي يسلكه الناس ، وهيجت الريح أمواج أوقيانوس ، فيقع في البحر المسلوك منه رشاشات فيلقمه الصدف كما يلقم الرحم النّطفة ، ثم يرجع الصدف إلى أسفل البحر فتتركب تلك النطفة من الماء واللحم في جوف الصدف ؛ فربما وقع في فمها قطعة كبيرة فينعقد درّة كبيرة ، وربما وقع صغيرة فينعقد أجزاء صغارا ، كما ترى في أكثر الأصداف . ثم أن الصدفة إذا وقعت في فمها القطرة خرجت من قعر الماء إلى ظاهره عند هبوب الشمال وطلوع الشمس وغروبها ، ( 120 ) ولا يخرج في وسط النهار فإن شدة الحر ووهج البحار يفسد الدر . وإذا خرجت الصدفة انفتح ماؤها ليقع الريح الشمال على الدر ، فينعقد من أثر الشمال وحرارة الشمس كما ينعقد الجنين في الرحم من حرارتها . ثم إن جوف الصدف إن خلا من الماء المر يكون الدر في غاية الصفاء والجلاء وحسن الهيئة . وإن خالط جوف الصدف شيء من الماء المر فإن الدر يكون أصفر اللون ، أو كدرا غير مهندم ، وكذلك إن استقبل الصدف الهواء في غير هذين الوقتين كانت الدّرّة كدرة . وإذا كان فيها دودة أو كانت مجوفة غير مصمتة كان سببها استقبال الصدف للهواء الرديء ، وهو الليل وأنصاف النهار . ثم إن الصدف إذا تجسد الدر في جوفها تجسدا مستويا ، هبط إلى قعر البحر حتى يرسخ فيه ويتشعب منه العروق فيه ، ويصير نباتا بعد أن كان حيوانا ذا نفس ، بفعل الله خالقها وخالق كل شيء . فإن تركت مدة طويلة تغيرت وفسدت مثل الثمر في الشجرة إذا لم يقطف وقت بلوغها فإنها يذهب « 1 » حسن لونها ، وطيب طعمها .

--> ( 1 ) : في الأصل : تذهب .