أحمد بن يحيى العمري
19
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ساقطة تتهاوى وكان كثير الولوع بديوان أبي تمام حبيب بن أوس ، والنزوع منه لسهام لا ترمى بها حنيّة قوس ، ثمّ كان ولع أبي العلاء المعري به مثل ولعه بأبي تمام لا يسأم طرفه الطارق له من إلمام . حكى ابن خلكان « 1 » أنّ المعري لما فرغ من تصنيف كتابه اللامع العزيزي في شرح شعر المتنبي ، وقرئ عليه أخذ الجماعة في وصفه ، فقال : كأنّما نظر المتنبي إليّ بلحظ الغيب حيث يقول : [ البسيط ] أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي * وأسمعت كلماتي من به صمم وقد ذكره الثعالبي في اليتيمة « 2 » فقال : هو وإن كان كوفيّ المولد شامي المنشأ ، وبها تخرّج ، وفيها خرج . نادرة الفلك ، وواسطة عقد الدهر في صناعة الشعر ، ثم هو شاعر سيف الدولة المنسوب إليه المشهور به ، إذ هو الذي جذب بضبعه ، ورفع من قدره ، ونفّق من شعره فألقى عليه شعاع سعادته حتى سار ذكره مسير الشمس والقمر ، وسافر كلامه في البدو والحضر ، وكادت [ الليالي ] « 3 » تنشده ، والأيام تحفظه ، كما قال وأحسن ما شاء : [ الطويل ] وما الدهر إلّا من رواة قصائدي * إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا فسار به من لا يسير مشمّرا * وغنّى به من لا يغنّي مغرّدا وكما قال : [ المتقارب ] ولي فيك ما لم يقل قائل * وما لم يسر قمر حيث سارا وعندي لك الشرّد السائرا * ت لا يختصصن من الأرض دارا 5 / إذا سرن من مقولي مرّة * وثبن الجبال . وخضن البحارا
--> ( 1 ) ينظر وفيات الأعيان ، 1 / 114 . ( 2 ) تنظر يتيمة الدهر ، 1 / 139 . ( 3 ) في الأصل اللفظة مبهمة واستضأنا بما في اليتيمة .