أحمد بن يحيى العمري
83
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وإن كنت في الأدب دعيّ النسب ، ضعيف السبب ، ضيق المضطرب ، سيّء المنقلب ، أمتّ إلى عشرة أهله بنيقة ، وأنزع إلى خدمة أصحابه بطريقة ، ولكن بقي أن يكون الخليط منصفا في الوداد ، إذا زرت زار ، وإن عدت عاد ؛ وسيدي - أيده الله - ناقشني في القبول أولا ، وصارفني في الإقبال ثانيا ؛ فأما حديث الاستقبال ، وأمر الإنزال والأنزال ، فنطاق الطّمع ضيق عنه ، غير متّسع لتوقّعه منه . وبعد : فكلفة الفضل هينة ، وفروض الودّ متعينة ، وأرض العشرة لينة ، وطرقها بينة ، فلم اختار قعود التّعالي مركبا ، وصعود التّغالي مذهبا ؟ وهلّا ذاد الطّير عن شجر العشرة ، وذاق الحلو من ثمرها ؟ فقد علم الله أن شوقي إليه قد كدّ الفؤاد برحا على برح ، ونكأه قرحا على قرح ، ولكنّها مرّة مرّة ، ونفس حرّة ، لم تعد إلّا بالإعظام ، ولم تلق إلّا بالإجلال ، وإذا استعفاني من معاتبتي ، وأعفى نفسه من كلف الفضل بتجشمها ، فليس إلا غصص الشوق أتجرّعها ، وحلل الصبر أتدرعها ، ولم أغره من نفسي ، وأنا لو أعرت جناحي طائر لما طرت إلّا إليه ، ولا وقعت إلّا عليه « 1 » : [ الطويل ] أحبّك يا شمس الزمان وبدره * وإن لا مني فيك السّها والفراقد « 2 » وذاك لأنّ الفضل عندك باهر * وليس لأنّ العيش عندك بارد فلمّا وردت عليه الرّقعة ، حشر تلامذته وخدمه ، وزمّ عن الجواب قلمه ، وجشّم للإيجاب قدمه ، وطلع مع الفجر علينا طلوعه ، ونظمتنا حاشيتا دار الإمام أبي الطيّب أدام الله عزّه ؛ فقلت : الآن حين تشرق الحشمة وتنوّر ، وننجد في
--> ( 1 ) البيتان للمتنبي في ديوانه بشرحه المنسوب للعكبري 1 / 280 . ( 2 ) مكان البيتين في رسائل البديع بعد بيت ابن المعتز ، على هذا النحو : وأنشدناه قول ابن عصرنا أبي الطيب : [ البيتين ] وقول آخر ، وقد أحسن وزاد : أحبك في البتول . . . X