أحمد بن يحيى العمري

69

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وكان يقترح عليه عمل قصيدة أو إنشاء رسالة في معنى غريب وباب بديع ، فيفرغ منها في الوقت والساعة ، والجواب عمّا فيها . وكان ربما يكتب الكتاب المقترح عليه ، فيبتدئ بآخر سطوره ثم هلم جرا إلى الأول ، ويخرجه كأحسن شيء وأملحه . ويوشح القصيدة الفريدة من قبله بالرسالة الشريفة من إنشائه ، فيقرأ من النظم ومن النثر ؛ ويعطى القوافي الكثيرة ، فيصل بها الأبيات الرشيقة . ويقترح عليه كلّ عروض « 1 » ، فيرتجله في أسرع من الطرف على ريق لا يبلعه ، ونفس لا يقطعه . وكلامه كله عفو الساعة ، وفيض البديهة « 2 » ، ومسارقة القلم ، ومجاراة الخاطر [ للنّاظر ] . وكان مع هذا مقبول الصورة ، خفيف الرّوح ، حسن العشرة ، ناصع الظرف ، عظيم الخلق ، شريف النفس ، كريم العهد ، خالص الودّ ، حلو الصداقة ، مرّ العداوة . فارق همذان [ سنة ثمانين وثلاثمائة ] وهو مقتبل الشبية ، غضّ الحداثة ، ووافى « 3 » نيسابور فنشربها بزه ، وأظهر طرزه ، وأملى مقاماته وغيرها ، وضمنها ما تشتهي الأنفس من لفظ أنيق قريب المأخذ ، بعيد المرام ، وسجع رشيق المطلع « 4 » والمقطع كسجع الحمام ، ثم ألقى عصاه بهراة ، فعاش بها عيشة راضية . وحين بلغ أشده وأربى على أربعين سنة ، ناداه الله فلبّاه ، وفارق دنياه في سنة ثمان وتسعين وثلاثمئة ؛ فقامت نوادب الأدب ، وانثلم حدّ القلم أنه على ما

--> ( 1 ) في اليتيمة : كل عويص وعسير من النظم والنثر ، فيرتجله . . . ( 2 ) في الأصل : وقبض اليد ! . ( 3 ) في الأصل : وولي ! . ( 4 ) في الأصل : المقطع والمقطع ! .