أحمد بن يحيى العمري
51
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
كلامه هنا - قليل الغوص بخلف مقاماته ، فإنه فيها كمن طلب الروض فجنى زهرها ، وصعد السماء فاقتطف زهرها ؛ وإنما تركت اختيار شيء له منها لشهرتها ، ولأنها صارت كتابا بذاته ، لا تعدّ في سلك ترسّلاته ؛ وبينهما في حسن الكون ، ما رأيت من هذا البون ، على أن ما أوردت له من هذه الرسائل هي الفرائد التي لا تقوّم ، والفوائد التي تعني من يتعلم ، متماثلة في توفيه الأغراض ، مغازلة كالجفون المراض ، سهلة على فهم المتناول ، قرمة « 1 » لا تنالها يد المتطاول . * * * * وأما القسم الثاني من أصحاب الغوص ، فسنذكرهم على أن حكم أكثر الكتّاب القدماء حكم العرب ، كلاهما له فضيلة السبق ، وفتح الطريق ؛ وحكم المتأخرين منهم حكم المولدين من الشعراء ، في توليد المعاني والمجيء باللّطائف ؛ وقد وشحوا صناعتهم بالاستعارات الصحيحة والتشبيه والاستخدام والتورية وأنواع البديع ، وتناهوا في الدقيق والتنميق ، وتباهوا في التخيّل والتخيير ، وقيدوها بالأسجاع ، ولزموها كالقوافي ، فلم يعوزها « 2 » من الشعر إلا الوزن فأخملوا الأوائل ، وأخمدوا كل قائل ، وأتّموا الفن وكمّلوه ، وزينوا الفضل وجملوه ؛ وهذا مكان للمغرب فيه مع المشرق مجال ، وميدان له في فرسانه رجال ، وهو في هذا غير ممنوع ولا مدفوع ، لكنه فيما تقدم المئة الرابعة لا يذكر له في هذه الفتية فيئة « 3 » ، ولا تظهر له هيئة ؛ ثم ما عدم في هذا الشأن ما أوهن زجاج حاسده ، وأشرق بغصص الدمع شأن معانده ؛ ولا نقول هذا على أن للغرب بهذا المزية على الشرق ، ولا أنه سلّم إليه في هذا الحق ، وإنما نحن بصدد إنصاف ، وما يبعد فيما بين الغرب والشرق في هذه الفضيلة ، ولا نجحد أن له بمن نعده هنا
--> ( 1 ) كذا . ( 2 ) في الأصل : يعزها . ( 3 ) الفيئة : الغنيمة . ( القاموس ) .