أحمد بن يحيى العمري

42

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

شيخ لنا من ربيعة الفرس * ينتف عثنونه من الهوس أنطقه اللّه بالمشان كما * رماه وسط الدّيوان بالخرس وكان الحريريّ يزعم أنه من ربيعة الفرس ، وكان مولعا بنتف لحيته عند الفكر ، وكان يسكن في مشان البصرة « 1 » ؛ فلما رجع إلى البصرة عمل عشر مقامات أخر وسيرهنّ ، واعتذر من عيّه وحصره بالدّيوان ، مما لحقه من المهابة « 2 » . وللحريريّ عدة تصانيف طريفة لطيفة ، كدرة الغواص ، وملحة الإعراب ؛ ويقال : إنه عملها لجواري الخليفة ، فكن يحفظنها ويقمن ألسنتهنّ بها . قلت : وهي بما حوت من العلم سهلة المأخذ ، كأن شعرها غزل ؛ ولو لم يكن منه إلا قوله : [ الرجز ] ولن يطيب الوصل حتّى تسعدي * يا هند بالوصل الذي يروي الصّدى * وله نظم ونثر في غير المقامات ، ومنها قوله نثرا : « 3 » ولما استخدم الخادم فيما أهّل له آنفا ، اعتمد في الخدمة ما يتهيب قلمه الإفصاح عنه ، ويعرف بأن سعادة الديوان العزيز هي التي سنّت ما تسنّى منه ، وتقدّم له الوعد بأنه عند تصفح مساعيه ، يمنح من المساعفة بما يرتجيه ، ولم يقدم قلمه على التذكير بالوعد الشريف ، إلا بعد ما أنطقه لسان التوفيق للخدمة ، وكفل له بمزيد الحظوة من النعمة ؛ فإن اقتضت الآراء العلية إنجاز

--> ( 1 ) المشان : بليد فوق البصرة ، كثيرة النخل ، موصوفة بشدّة الوخم ، وكان أصل الحريري منها . ( وفيات الأعيان 4 / 67 ومعجم البلدان 5 / 131 ) . ( 2 ) إلى هنا ينتهي النقل عن ابن خلكان . ( 3 ) رسائل الحريري 39 أب ( نسخة مكتبة الجامع الكبير بصنعاء ، رقم 62 أدب ) وهي ناقصة من أوّلها بما لا يعلم مقداره .