أحمد بن يحيى العمري
28
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
واستدم ، واستمك ظهور الموائد واستنم ؛ ولو رفسك بخفه البعير ، نزّله منزلة القرص الكبير ، واهجم على الرغيف ، ولو أنه الغريف « 1 » ، وهاجم على الفريسة كالأسد ، وأدخل الطّعام على الطّعام ولو فسد ، وغالب البخلاء على أموالهم ولا تفكر في أحد ، وطالب من لا لك عنده شيء ولا يضرك من جحد ، واضرب الحيس بالحيس ، وكل السخلة والكبش والجدي والتيس ، وكبّ جموع ربيعة على مضر ويمن على قيس ، ولا يلج في مسامعك عذل عاذل ، ولا يرد يدك منع بخيل ولا بذل باذل ، ولا يغب عنك الماء لتسويغ الغصص ، وإرفاد الطعام به بالقفص ، وعليك بالعزائم وإياك والرخص ، والحذر كل الحذر من الكسل والتواني ، والقعود عن المواضع التي تطلب إليها القراء والمغاني ؛ فإن كل هذه المظان ، والمظانّ التي تسلط فيه السكين على الضان ، فما كل وقت تصبح وليمة ، ولا كل حين تمضي عزيمة ، والإنسان الشاطر من أكل أكل البهيمة ، وما كل أوان يتبوأ الآكل دار مضيف يحلّها ، وينعم في جنات جفان أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها « 2 » ، فلا يؤخّر يوم سرور ينتظر له غدا ، ولا يشيل لعشاء من غدا ، ولا يفوت دعوة كريم يضيف يديه في داره ويقول : وَكُلا مِنْها رَغَداً « 3 » ؛ ومر أعوانك فليحمدوا الله الذي أطعمهم من أموال خلقه ، وجعل أيديهم تعاجل يد صاحب الطعام في سبقه ، وأوصهم بالشكر وقل لهم : فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ « 4 » ؛ والله تعالى يمتعه بما وهبه من بطن لا يشبع ، ونفس أدنى من نفس أشعب الطماع وأطمع ، وسبيل كل واقف عليه الانتهاء إلى ما يتقدم به من الأمر ، وسلوك مسلك أصحاب أبي نعامة معه حتى يأكلوا معه الجمر ، ومن خالفهم منهم يسقط من جريدة هذا الحساب ، ويوقف وراء الحجاب ، وأدّب بين الطفيلية أدبا
--> ( 1 ) الغريف : القصباء والحلفاء . ( القاموس ) . ( 2 ) سورة الرعد : 35 . ( 3 ) سورة البقرة : 35 . ( 4 ) سورة الملك : 15 .