أحمد بن يحيى العمري
24
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
عسل ؛ يشرب من اللبن وطبا ، ويتنقل بحمل الحديقة رطبا ، القنطار عنده أوقية ، والرطل توابل التغذية ، لا يحب إلا اسم بلعام « 1 » وطعمه ، ولا يأكل ملء الطبق إلا في لقمة ، يأكل باليدين ، ويشبع بالعين ؛ لم يعرف في طول عمره التخم ، ولا خاف الوخم ، ولا وقع على جيف المآكل إلا وقوع الرخم ، ولم يأكل - حاشاه - في سبعة أمعاء ، وإنما يدخر معه في وعاء ، ما قرأ من الفقه إلا كتاب الأطعمة ، ولا سئل : كيف الطريق ؟ إلا قال : أنا ما أحب إلا الأشياء الحلوة الدسمة ؛ لا نعرف أعرف منه بتلفيق الأسباب ، وتخريب عرائش النقانق وقباب الكباب ، فما حط يده في طعام إلا محقه ، ولا في مأكول إلّا وعاد في الحال كأن الله ما خلقه ، فاقتضى له تقدمه في هذه الطائفة الطائفة « 2 » ، أن يكتب له هذا التقليد ، ويزاد به طول يده وباعه المديد ، ويميز على أبناء جنسه من طائفة الشيخ ساسان « 3 » ، ومن يأخذ أموال الناس باليد ويأكلهم باللسان ، ويفعل الفعائل التي ما يظن بها إلا أن زمان أبي الأكاسرة عاد ، وينصب النصبات « 4 » التي لو كان أبو زيد السروجي « 5 » حاضرها لما زاد ، فرسم أن يقلد أمر طائفة الطفيلية ، ويعاد إليه أمورهم بالكلّيّة ؛ وأن يكونوا جميعهم تحت أمره المطاع وأعوانه ، إذا أكل كل ما على السماط وخلى الناس وهم جياع ، وهو ما يحتاج إلى الوصايا التي تشغله عن الابتلاع ، وتلهيه عن النهم الذي هو من خلق السباع ؛ وإنما نقول له على سبيل
--> ( 1 ) بلعام بن باعورا : من علماء بني إسرائيل ؛ كان يعرف اسم اللّه الأعظم ، فانسلخ من دينه . ( تاريخ دمشق 10 / 165 ) . ( 2 ) الطائفة الأولى : الجماعة . والثانية : من الطّواف . ( 3 ) بنو ساسان : طائفة من المكدين نشأت في العصر العباسي ؛ منهم أبو دلف الخزرجي الينبوعي ، انظر قصيدته الساسانية في يتيمة الدّهر 3 / 354 فهي بمثابة دستور كامل لهم . ( 4 ) قال الزّبيدي : والنّصاب - ككتّان - الذي ينصب نفسه لعمل لم ينصب له ؛ واستعمله العامة بمعنى الخداع المحتال . ( تاج العروس « نصب » 4 / 282 ) . ( 5 ) أبو زيد السّروجي : شخصية وهميّة ، يروي عنها الحريري مقاماته . ( الأنساب 7 / 75 ) .