أحمد بن يحيى العمري

105

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وقلت : يا أبا بكر خفف الله عنك ، كما خففت عنّا في الحفظ ؛ فقد كفيتنا مؤونة الامتحان ، ولم تضغ وقتنا من الزّمان ، فلو تفضّلت وسلّمت البديهة أيضا مع الترسّل حتى نفرغ للنّحو الذي أنت فيه أكبر ، واللغة التي أنت بها أعرف ، والعروض الذي أنت عليه أجرأ ، والأمثال التي لك فيها السّبق والقدم ، والأشعار التي أنت فيها مقدم ؛ فقال : ما كنت لأسلم الترسل ، ولا سلمت الحفظ ؛ فقلت : الراجع في شيئه ، كالراجع في قيئه ؛ لكنّا نقيلك عن ذلك سماحا ؛ فهات أنشدنا خمسين بيتا من قبلك مرتين ، حتى أنشدك عشرين بيتا من قبلي خمسين مرة ؛ فعلم أن دون ذلك خرط القتاد ، تهاب شوكته اليد ؛ فسلمّه ثانيا كما سلمه باديا ، وصرنا إلى البديهة ، فقال أحد الحاضرين : هاتوا على شعر أبي الشيص في قوله « 1 » : [ الكامل ] أبقى الزّمان به ندوب عضاض * ورمى سواد قرونه ببياض فأخذ أبو بكر يخضد ويحصد ، مقدرا أنا نغفل عن أنفاسه ، أو نوليه جانب وسواسه ؛ ولم يعلم أنا نحفظ عليه الكلم ، ثم نواقفه عليها ؛ فقال « 2 » : [ الكامل ] يا قاضيا ما مثله من قاض * أنا بالذي تقضي علينا راض فلقد لبست ضفيّة ملمومة * من نسج ذاك البارق الفضفاض لا تغضبنّ إذا نظمت تنفّسا * إن الغضى في مثل ذاك تغاض فلقد بليت بشاعر متقادر * لا بل بليت بناب ذيب غاض ولقد قرضت الشعر فاسمع واستمع * لنشيد شعري طائعا وقراضي فلأغلبن بديهه ببديهتي * ولأرمين سواده ببياضي فقلت : يا أبا بكر ما معنى « ضفية مملومة » وما الذي أردت بالبارق الفضفاض ؟ فأنكر أن يكون قاله قافية ؛ فواقفه على ذلك أهل المجلس ، فقالوا : قد

--> ( 1 ) ديوان أبي الشيص 75 . ( 2 ) ديوان أبي بكر الخوارزمي 360 ورسائل البديع 68 والصبح المني 46 - 47 .