أحمد بن يحيى العمري

103

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

يلعن بعضهم بعضا ، فصاروا إلى قلب المجلس وصدره ، حتّى ردّ كيدهم في نحرهم ، وأقيموا بالنّعال إلى صفّ النّعال ؛ فقلت لمن حضر : من هؤلاء ؟ فقالوا : أصحاب الخوارزميّ . فلمّا أخذ المجلس زخرفه ممّن حضر ، وانتظر أبو بكر فتأخّر ، اقترحوا عليّ قواف أثبتوها ، واقتراحات كانوا بيّتوها « 1 » : [ الهزج ] فما ظنّك بالحلفا * ء أدنيت لها النّارا من لفظ إلى المعنى نسقته ، وبيت إلى القافية سقته ، على ريق لم أبلعه ، ونفس لم أقطعه ؛ وصار الحاضرون بين إعجاب بما أوردت ، وتعجّب مما أنشدت ، وقال أحدهم ، بل واحدهم ، وهو الإمام أبو الطيب : لن نؤمن لك حتى نقترح القوافي ، ونعيّن المعاني ، وننصّ على بحر ؛ فإن قلت حينئذ على الرّويّ الذي أسومه ، وذكرت المعنى الذي أرومه ، وأنت حيّ القلب كما عهدناك ، منشرح الصّدر كما شاهدناك ، شجاع الطّبع كما وجدناك ؛ شهدنا أنّك قد أحسنت ، وأن لا فتى إلّا أنت . فما خرجت من عهدة هذا التكليف حتّى ارتفعت الأصوات بالهيللة من جانب ، والحوقلة من آخر ، وتعجّبوا إذ أرتهم الأيام ما لم ترهم الأحلام ، وجادلهم العيان بما بخل به السماع ، وأنجزهم الفهم ما أخلفهم الوهم ؛ ثم التفتّ فوجدت الأعناق تلتفت ، وما شعرت إلا بهذا الفاضل وقد طلع في شملته ، وهبّ بجملته ، بأوداج ما يسعها الزرّان ، وعينين في رأسه تزرّان ، ومشى إلى فوق رقاب النّاس ، وجعل يدسّ نفسه بين الصّدور يريد الصّدر ، وقد أخذ المجلس أهله ؛ فقلت : يا أبا بكر ، تزحزح عن الصّدر قليلا إلى مقابلة أخيك ؛ فقال : لست بربّ الدار ، فتأمر على الزّوار ؛ فقلت : يا عافاك الله ، حضرت لتناظرني ، والمناظرة

--> ( 1 ) البيت بلا نسبة في التمثيل والمحاضرة 265 وثمار القلوب 2 / 831 .