أحمد بن يحيى العمري
100
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
بيننا بالعدل ؛ فاتفقت الآراء على أن يعقد هذا المجلس في دار الشيخ السيد أبي القاسم الوزير ، واستدعيت فسرحت الطرف من ذلك السيد في عالم أفرغ في عالم ، وملك في درع ملك ، ورجل نظم إلى التنبّل تبذّلا ، وإلى التّرفّع تواضعا ، ونطق فودّت الأعضاء لو أنها أسماع مصغية ، واستمع فتمنت الجوارح لو أنها ألسنة ناطقة ؛ فقلت : الحمد لله الذي عقد هذا المجلس في دار من يفرّق ، بين من يحقّ وبين من يزرّق ، وكنت أول من حضر وانتظر مليا حضور من ينظر وقدوم من يناظر ؛ وطلع الإمام أبو الطيب ، وأخذ من المجلس موضعه ؛ والإمام بنفسه أمة ، ووحده عالم ؛ ثم حضر السيد أبو الحسين أدام الله عزه ، وهو ابن الرّسالة والإمامة ، وعامر أرض الوحي ، والمحتبي بفناء النبوة ، والضارب في الأدب بعرقه ، وفي النطق بحذقه ، وفي الإنصاف بحسن خلقه ؛ فجشم إلى المجلس قدم سبقه ، وجعل يضرب عن هذا الفاضل بسيفين ، لأمر كان قد موّه عليه ، وحديث كان شبّه لديه ؛ وفطنت لذلك ، فقلت : أيّها السيد ، أنا [ إذا ] سار غيري في التشيّع برجلين ، طرت بجناحين ، وإذا متّ سواي في موالاة أهل البيت بلمحة دالة ، توسلت بغرة لائحة ، فإن كنت أبلغت غير الواجب ، فلا يحملنّك على ترك الواجب ؛ ثم إنّ لي في آل الرسول صلى اللّه عليه وسلم قصائد قد نظمت حاشيتي البرّ والبحر ، وركبت الأفواه ، ووردت المياه ، وسارت في البلاد ولم تسر بزاد ، وطارت في الآفاق ولم تطر على ساق ؛ ولكنّي لا أتسوّق بها لديكم ، ولا أتنفق بها عليكم ، وللآخرة قلتها لا للحاضرة ، وللدّين ادّخرتها لا للدّنيا ، وللمعاد نظمتها لا للمعاش ؛ فقال : أنشدني منها ؛ فقلت « 1 » : [ مجزوء الكامل ] يالمة ضرب الزّما * ن على معرّسها خيامه لله درّك من خزا * مى روضة عادت ثغامه
--> ( 1 ) القصيدة في ديوانه 130 - 131 ورسائله 58 - 61 .