أحمد بن يحيى العمري
61
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
فإنهم نزلوا من ورائه ، قال : يا أخا بني حنظلة ، هل لك في معروف تصنعه إلي ؟ فوالله لو أعطيتني ما أصبحت تسوق إليه من الإبل ما كنت أشكر مني لك عليه ، فقلت ومن أنت أولا ؟ فقال : لا تسألني من أنا ولا أخبرك [ غير ] أني رجل بيني وبين هؤلاء القوم ما يكون بين بني العم ، فإن رأيت أن تأتيهم فإنك تجد القوم في مجلسهم فتنشدهم بكرة أدماء « 1 » تجرّ خفّيها عبلاء واسمة « 2 » ، فإن ذكروا لك شيئا فذاك ، وإلا استأذنتهم في البيوت وقلت : إن الصبي والمرأة يريان مالا يرى الرجال ، فتنشدهم ولا تدع أحدا تصيبه عينك ، ولا بيتا من بيوتهم ، إلا وأنشدتها فيه ، فأتيت القوم ، فإذا بهم على جزور يقسمونها ، فسلمت وانتسبت ، وذكرت لهم ضالتي فلم يذكروا لي شيئا ، فاستأذنتهم في البيوت ، وقلت : إن الصبي والمرأة يريان ما لم ير الرجل ، فأذنوا إليّ ، فأتيت أقصى بيت ، ثم استقريتها بيتا بيتا ، فلا يذكرون لي شيئا حتى انتصف النهار وآذاني حرّ الشمس وعطشت ، وفرغت من البيوت ، وذهبت لأنصرف فحانت مني التفاتة فرأيت ثلاثة أبيات ، فقلت : ما عند هؤلاء ، إلا ما عند غيرهم ، ثم قلت لنفسي سوءة ونوى زعم أن حاجته تعدل مالي ، ثم أتيته فأقول : عجزت عن ثلاثة أبيات ، فانصرفت عائدا إلى أعظمها بيتا ، فإذا هو قد أرخى مقدمه ومؤخره ، فسلمت فرد السلام ، وذكرت لهم ضالتي ، فقالت [ جارية منهم ] « 3 » يا عبد الله ، قد أصبت ضالتك ، وما أظنك إلا وقد اشتد عليك الحر واشتهيت الشراب ، فقلت : أجل فدخلت [ الجارية ] فأتتني بصحفة فيها تمر من [ ص 22 ] تمر هجر « 4 » وقدح فيه لبن ، والصفحة مضرية والقدح مفضض ، لم أر إناء قطّ أحسن
--> ( 1 ) أي ناقة فتية بيضاء . ( 2 ) في الأغاني : ( غفلا من السمة ) . ( 3 ) ما بين المعقوفتين من الأغاني . ( 4 ) هجر : مدينة وهي قاعدة البحرين ، وقيل ناحية البحرين كلها هجر ، وهناك هجر نجران وهجر جازان وهجر حصنة من مخلاف مازن ، وقرية قرب المدينة ( ياقوت : هجر ) .