أحمد بن يحيى العمري
59
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
علقت الهوى [ منها ] وليدا فلم يزل * إلى اليوم ينمي حبّها ويزيد فوالله ما سمعت حركة الباب ، فقلت : بطل سحري وضاع تعبي ، وجئت أطلب ما هو [ ص 20 ] عسير عليّ ، واحتقرت نفسي ، وقلت : لم يتوهمني « 1 » لضعف غنائي عنده ، فما شعرت إلا بصائح يصيح بي : يا معبد ، ابلغني أفهم ، وبلّغ عنّي شعر جميل الذي تغنّي [ فيه ] يا شقي البخت ، وغنى : « 2 » [ الطويل ] ولا أنس م الأشياء لا أنس قولها * وقد قربت نضوي أمصر تريد ولا قولها لولا العيون التي ترى * أتيتك فاعذرني فدتك جدود خليليّ ما أخفي من الوجد باطن * ودمعي بما قلت الغداة شهيد يقولون جاهد يا جميل بغزوة * وأيّ جهاد غيرهنّ أريد لكل حديث بينهن بشاشة * وكل قتيل بينهن شهيد قال : فلقد سمعت شيئا لم أسمع قط أحسن منه ، وقصر إلى نفسي ، وعلمت فضله عليّ ، وقلت : إنه لحريّ بالاستتار من الناس ترفيها « 3 » لنفسه ، وتعظيما لقدره ، وإن مثله لا يستحق الابتذال ، ولا أن يتداوله الرجال ، فأردت الانصراف إلى المدينة راجعا ، فلما كنت غير بعيد ، إذا بصائح يصيح : يا معبد ، انتظر أكلمك ، فرجعت فقال لي : إن الغريض يدعوك ، فأسرعت فرحا ، فدنوت من الباب ، فقال : أتحب الدخول ، فقلت : وهل إلى ذلك من سبيل ؟ فقرعت الباب ، فقال لي : ادخل ، فدخلت فإذا الشمس طالعة في بيت ، فسلمت ، فردّ عليّ السلام ، ثم قال : اجلس فجلست ، فإذا أنبل الناس وأحسنهم وجها وخلقا
--> ( 1 ) لم يتوهمني : أي لم يعرفني . ( 2 ) ديوان جميل يثينة ص 58 - 60 والأغاني 2 / 379 - 380 . ( 3 ) في الأغاني : ( تنزيها لنفسه ) .