أحمد بن يحيى العمري
49
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ونبله ، فإنه لنائم في جناح ، إذ مرّ به سكران يغني : عوجي علينا ربّة الهودج فلم يجده ، فقال له : يا هذا شربت حراما ، وأيقظت نياما ، وغنّيت خطأ ، خذه عنّي ، فأصلحه له وانصرف . قال : خرج ابن أبي عتيق على نجيب له من المدينة ، قد أوقره من طرفها المآرب « 1 » وغير ذلك ، فلقي فتى من بني مخزوم مقبلا من بعض ضياعه ، فقال : يا بن أخي أتصحبني ؟ قال : نعم ، قال المخزومي فمضينا حتى إذا قربنا من مكة جزناها ، فصرنا إلى قصر ، فاستأذن ابن أبي عتيق ، فأذن له ، فدخلنا فإذا رجل جالس كأنه عجوز ويداه مختضبة لا شك في ذلك ، فإذا هو الغريض قد كبر ، فقال له ابن أبي عتيق : تشوّقنا إليك ، وأهدى له ما كان معه ، ثم قال : نحبّ أن نسمع : عوجي علينا ربّة الهودج فقال : ادعوا فلانة ، جارية له ، فجاءت فغنت ، فقال لها : ما صنعت شيئا ، ثم حلّ خضابه [ ص 14 ] وغنّى : عوجي علينا ربّة الهودج فما سمعت أحسن منه ، فأقمنا عنده أياما كثيرا ، وخبّازه قائم ، وطعامه كثير ، ثم قال ابن أبي عتيق : إني أريد الشخوص ، فلم يبق بمكة تحفة عدنيّ ولا يماني ولا عود إلا أوقر به راحلته ، فلما رحلنا وبرزنا ، صاح به الغريض : هي هي ، فرجعت إليه ، فقال : ألم ترووا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم : ( يحشر من بقيعنا هذا سبعون ألفا على صورة القمر ليلة البدر ) ؟ فقال له ابن أبي عتيق :
--> ( 1 ) في الأغاني : ( المشارب ) .