أحمد بن يحيى العمري

32

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

ومنهم : 2 - ابن عائشة « 1 » طوى زمان الغناء بموت قرنائه ، وأنسى إحسان المحسنين بغنائه ، وأسس مالم يشيد على بنائه ، حتى كان مجمع أولئك العشاق وطراز حواشي تلك الأيام الرقاق ، وألف من صغره مغازلة النساء ، فجاء على غنائه تلك الرقة ، وبان في أصواته الشّجية البكاء لتلك الفرقة ، واتصل بالخلفاء اتصال أمثاله ، واتصف بما فات مراد الظرفاء من آماله . قال أبو الفرج ، قال الوليد بن يزيد « 2 » لابن عائشة : يا محمد ألبغيّة أنت ؟ قال : لا ، ولكن كانت أمي يا أمير المؤمنين ما شطة ، وكنت غلاما ، وكانت إذا دخلت إلى موضع قالوا : ارفعوا هذا لابن عائشة ، فغلبت على نسبي . قال إسحاق : أخذ الغناء عن معبد ومالك ، ولم يموتا حتى ساواهما ، وكان حسن الصوت يفتن كل من سمعه ، وابتداؤه الغناء كان يضرب به المثل ، فيقال : كأنه ابتداء ابن عائشة في الحسن . قال يحيى المكي : ثلاثة من المغنين كانوا أحسن الناس حلوقا : ابن عائشة [ ص 5 ] وابن بيرق « 3 » وابن أبي اللباب ، قال :

--> ( 1 ) ابن عائشة : أبو جعفر محمد بن عائشة ، أحد الموسيقيين المتقدمين في صناعة الغناء ووضع الألحان في العصر الأموي ، وهو من أهل المدينة ، ينسب إلى أمه ، وكانت مولاة لأحد بني كندة ، ويضرب المثل في ابتدائه بالغناء ، توفي نحو سنة 100 ه . ( الأغاني 2 / 60 والوافي بالوفيات 3 / 181 الأعلام 6 / 179 ) ( 2 ) الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان أحد الخلفاء الأمويين كان ميالا إلى الطرب بضرب العود ويوقع بالطبل على مذهب أهل الحجاز ، توفي سنة 126 ه . ( 3 ) كذا في الأصل ( بيرق ) ولعله ( البيزق ) وهو البيزق الأنصاري القارئ وكان يعرف حبابة ويدخل عليها بالحجاز ، فلما صارت إلى يزيد بن عبد الملك وارتفع أمرها عنده خرج إليها يتعرض لمعروفها ، فأنشد يزيد وأكرمه . ( الأغاني 15 / 37 ط دار الكتب العلمية )