أحمد بن يحيى العمري
74
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ذكر النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم ، وكذلك أخي ، وربما كانوا يذكرونه بينهم وأنا أسمع وأدرك ما يقولونه ، ولا تقبله نفسي ، وابتدؤوا يدعونني إليه ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة ، وحساب الهند ، وأخذ يوجهني إلى رجل كان يبيع البقل ويقوم بحساب الهند حتى أتعلمه منه ، ثم جاء إلى بخارى أبو عبد الله الناتليّ « 1 » وكان يدعى المتفلسف ، وأنزله أبي إلى دارنا ، رجاء تعليمي منه ، وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه والتردد إلى إسماعيل الزاهد « 2 » ، وكنت من أجود السالكين ، وقد ألفت طرق المطالبة « 3 » ، ووجوه الاعتراض على المجيب على الوجه الذي جرت عادة القوم به . ثم ابتدأت بكتاب " إيساغوجي " على البابلي . ولما ذكر لي أن حد الجنس هو المقول على كثيرين مختلفين بالنوع في جواب ما هو ، فأخذت في تحقيق هذا الحد بما لم يسمع بمثله ، وتعجّب مني كل التعجب ، وحذّر والدي من شغلي بغير العلم « 4 » . وكان أي مسألة قالها لي أتصورها خيرا منه ، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه ،
--> ( 1 ) : الناتليّ : بفتح النون وكسر التاء المنقوطة ، من فوقها باثنتين وفي آخرها اللام ، هذه النسبة إلى " ناتيل " وهي بليدة بنواحي آمل طبرستان ، كثيرة الخضرة والمياه . انظر : الأنساب 9 / 12 . ( 2 ) : انظر : وفيات الأعيان 2 / 158 . ( 3 ) : في تاريخ الإسلام : المناظرة . ( 4 ) : قال ابن العبري : ولما وصل إلى تحديد الجنس الذي يطلق على أنواع كثيرة قال لمعلّمه : هل يطلق الجنس على كل من الأنواع فردا فردا ؟ . قال المعلم : نعم . اعترض الفتى فقال : إذا سألني سائل : من هو الإنسان ؟ . وقلت له : حيوان فقط ، فهل يكون جوابي صائبا ؟ قال المعلم : نعم . ناقضه التلميذ وقال : لست أوافقك ، إذ لست بلا روية حتى إذا سألني سائل عن الحيوان الناطق من هو ؟ . أكتفي بالقول : إنه حيوان ، وأسكت . ومنذ إذ ترك المعلم وجعل يطالع على حدة ، ويتفهّم ما يقرأ . انظر : تاريخ الزمان 88 . وتاريخ الإسلام 29 / 220 .