أحمد بن يحيى العمري
70
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
القرائح ووأدها ، لا يجيء أرسطو منه سينه ، ولا أفلاطون في جبلته طينه ، لو أنه في زمن اليونان لجلس في صدر الرواق ، ولا ستقلت طرائف المشائين حوله المشي على الأحداق ، لعلم جمع بين علوم الإسلام واليونان ، ووقع على ما يلقط مثله من الأفنان ، ولم يقنع إلا بكل عباب ، ولا رضي من جنات التصانيف حتى دعي إليها من كل باب ، لو قرن به الفارابي لفر ، أو الكندي لما كدّ نفسه ولا كر ، بل لو تقدم في عصور الأوائل لتكلم وسكت كل قائل ، وأقرّ كل طائر الصيت بأنه ما هو عنده طائل . علم أعلام ، ومملي كلام ، ومالئ طروس « 1 » وأقلام . شعلة ذكاء ، لم يبق شرق ولا غرب حتى أضاء فيه شعاعها ، وامتدّ إليه شراعها ، وأشرقت عليه شمسها ، وانبسطت به شمسها ، وغلب عليه صيتها ، وغلّ به عفريتها ، ومشت فيها الحكماء على قانونه « 2 » ، ورأت الشفاء بمضمونه ، وعرفت الحكماء بإشاراته ،
--> ( 1 ) : جمع " طرس " بالكسر : الصحيفة ، أو التي محيت ثم كتبت ، قاله في القاموس مادة طرس . ( 2 ) : أي : القانون في الطب " ، من أشهر كتب الشيخ الرئيس ، والذي كان له أكبر الأثر في تعظيم مكانة الشيخ الرئيس في الجانب الطبي ، فصار اسم الكتاب واسم مؤلفه على ألسنة الأطباء منذ أن نشر الكتاب إلى يومنا هذا ، لقد غطى كتاب القانون على الكتب الطبية السالفة له لحسن تبويبه وشموله الواسع للمادة العلمية ، وما فيها من الأدوية والمفردات الطيبة ، التي تدخل في التداوي . وميل ابن سينا إلى الجانب النظري في هذا الكتاب واضح جدا ، وهذا ما جعل الكتاب سهل الفهم من القراء الأطباء وغير الأطباء . وكان كثير من عامة الناس طوال القرون الإسلامية يقرءون كتب الطب للمتعة والاستفادة الشخصية من معارف هذه الصنعة ، فكان كتاب القانون بما فيه من أوصاف مبسطة عن الأمراض وأعراضها ، واستعمال الأدوية من الأعشاب المعروفة ، كتابا مثاليا لمثل هذه الطبقة من القراء . وكانت عند ظهور كتاب القانون ثلاثة كتب جامعة في الطب ، أقدمها كتاب فردوس الحكمة للطبري ، وهو كتاب يجمع بين الطب اليوناني والهندي والفارسي ، كما يحتوي أيضا على كثير من الأفكار السقيمة والخرافات ، فلما ظهر الكتاب الثاني وهو المنصوري لأبي بكر الرازي ذي النزعة العلمية الخالصة احتل مكان كتاب فردوس الحكمة ، أما الكتاب الثالث : فهو الكتاب الملكي لعلي بن العباس المجوسي ، وهو بحق كتاب ند لكتاب ابن سينا ، وعلى الرغم من