أحمد بن يحيى العمري
64
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ومنهم : 1 17 - أبو الفرج بن هندو « 13 » منقب عن البيان ، يكشف خباءه ويبعث له في كل معنى نشاءه ، وينفث فيه روحا كأنه يحس لكل فكرة نباءه ، ويفتق أكمام الأدب فقل كزرع أخرج شطأه ، له سرّ دقيق فتن الناس ، وخمر رحيق يذهب بالباس ، لا كالتي تدخل بالالتباس على الحواس ، وسحر يستلذه الذوق وينقطع عنده القياس ، لو أن للدهر رقته لان قاسيه ، أو للجافي ذكر العهد ناسيه ، أو للأمل ألقى إلى قبضة اليد مراسيه ، وما أعيره شهاده ، ولا أميره الحسنى إلا امتاز بزيادة . وكانت بضاعته من الطب غير مزجاة ، وصناعته تحقق للمتطبب ما يترجاه ، لفضل تجلبب بشعاره ، وجلب زيادة الحكمة إلى إشعاره ، وعلو همته إلى علومها ، وقراءة مادة كل علم على عليمها ، إلى أن جنى ثمر الفنون ، وجرّب كل شيء ولم يقدر على دفع المنون ، وكان له في صناعة الكتابة ارتزاق ، وبئست بضاعة أرزاق ، إلا أنه لم يقدر عليه بها قوته ، وما كان للمرء لا يفوته ، وبقي على تعلّاته واختلاف علّاته ، إلى أن أتاه هادم الأعمار ، ووافاه قادم الموت مبسوط الأعذار . قال ابن أبي أصيبعة : " هو الأستاذ السيد الجليل « 1 » أبو الفرج علي بن الحسين ابن هندو . من الأكابر المتميزين في علوم الحكمة ، والأمور الطبية ، والفنون
--> ( 13 ) انظر ترجمته في : معجم الأدباء لياقوت 5 / 83 ، والوافي بالوفيات 21 / 31 ، ويتيمة الدهر 3 / 459 ، وفوات الوفيات 3 / 13 ، وتتمة اليتيمة 1 / 134 . ( 1 ) : في عيون الأنباء : " السيد الفاضل " - ص 429 .