أحمد بن يحيى العمري

51

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وقال القاضي صاعد بن أحمد بن صاعد ، في كتاب " التعريف بطبقات الأمم " : إن الفارابي أخذ صناعة المنطق عن يوحنا بن جيلان « 1 » ، المتوفى بمدينة السلام في أيام المقتدر ، فبزّ « 2 » جميع أهل الإسلام فيها ، وأربى عليهم في التحقيق بها ، وشرح غامضها ، وكشف سرّها ، وقرب تناولها ، وجمع ما يحتاج إليه منها في كتب صحيحة العبارة ، لطيفة الإشارة ، منبّهة على ما أغفله الكندي وغيره ، من صناعة التحليل ، وإيحاء التعاليم . وأوضح القول فيها عن موادّ المنطق الخمس ، وإفادة وجوه الانتفاع بها ، وعرّف طرق استعمالها ، وكيف تصرف صورة القياس في كل مادة منها . فجاءت كتبه في ذلك الغاية القصوى ، الكافية ، والنهاية الفاضلة . ثم له بعد ذلك كتاب شريف في إحصاء العلوم ، والتعريف بأغراضها ، لم يسبق إليه ، ولا ذهب أحد مذهبه فيه ، لا يستغني طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به ، وتقديم النظر فيه . وله كتاب في " أغراض فلسفة أفلاطون وأرسطوطاليس " . يشهد له بالبراعة في صناعة الفلسفة والتحقيق بفنون الحكمة ، وهو أكبر عون على تعلم طريق النظر ، وتعرّف وجوه الطلب ، اطّلع فيه على أسرار العلوم ، وثمارها علما [ علما ] ، وبين كيف التدرج من بعضها إلى بعض [ شيئا فشيئا ] . ثم بدأ بفلسفة أفلاطون ، فعرف غرضها منها ، وسمّى تواليفه « 3 » فيها . ثم أتبع ذلك بفلسفة أرسطو ، فقدّم له مقدّمة جليلة ، عرف فيها بتدرجه إلى

--> ( 1 ) : تاريخ الحكماء 277 ، والتعريف بطبقات الأمم لابن صاعد 137 . ( 2 ) : أي : فاقهم ، وغلب عليهم " القاموس ماد بز " . ( 3 ) : أي : مصنفاته وتآليفه .