أحمد بن يحيى العمري
34
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
عمودا ونقشوا عليه اسمه ، وحسن ما كان يصنعه معهم ، إلا فرد رجل غاب عن رأيهم في هذا العمود ، وعاب أرسطو ، وهمّ بإزالة نقش العمود ، فأمسك وقتل ، ثم عمدوا إلى عمود آخر [ . . . . ] « 1 » بالبناء عليه كالأول ، وذكروا المتعرض المخالف الذي قتل ، ولعنوه ، وتبرأوا منه . قال ابن أبي أصيبعة : " إن الإسكندر لما ملك صار أرسطو إلى التبتل والتخلي مما كان فيه من الاتصال بالملوك والملازمة لهم ، ولزم موضع التعليم ، وهو رواق المشائين ، وأقبل على العناية بمصالح الناس ، ورفد الضعفاء ، وأهل الفاقة ، وتزويج الأيامى ، وعول اليتامى ، ورفد طلبة العلم والتأدب « 2 » من كانوا ، وأي نوع من العلم والأدب طلبوا ، والصدقة على الفقراء ، ولم يزل في غاية لين الجانب والتواضع ، وحسن اللقاء للصغير والكبير ، والقوي والضعيف ، وأما قيامه بأمر أصدقائه فلا يوصف " « 3 » . قال المبشر بن فاتك : " إن أرسطو لما بلغ ثماني سنين حمله أبوه إلى بلد الحكماء « 4 » ، وضمّه أبوه إلى الشعراء ، والبلغاء ، والنحويين ، فأقام متعلما منهم تسع سنين ، وكان اسم هذا العلم عندهم : المحيط - أعني علم اللسان ، لحاجة جميع الناس إليه ، لأنه المؤدي لكل حكمة ، وبه يتحصل كل علم . ثم بلغه أن قوما من الحكماء أزروا « 5 » بعلم البلغاء واللغويين ، وعنّفوا
--> ( 1 ) : ما بين المعقوفتين كلمة غير مفهومة ، لم أتبينها . ( 2 ) : أي طلبة الأدب ، ويسمون المتأدبين . ( 3 ) : انظر : ابن أبي أصيبعة - عيون الأنباء - صفحة 88 . ( 4 ) : أي : أثينا - كما ورد في " مختار الحكم ومحاسن الكلم " للمبشر بن فاتك - ص 179 ، وعنه نقل ابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء في طبقات الأطباء 88 . ( 5 ) : أي نقّصوا ، وعابوا ، وقللوا من شأنه .