أحمد بن يحيى العمري
76
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وقال الجنيد : ما رأيت أعبد من السّريّ ، أتت عليه ثمان وتسعون سنة ، مارئي مضطجعا إلا في علّة الموت . « 1 » وقال السّريّ : التصوف اسم لثلاثة معان « 2 » : وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه . « 3 » ولا يتكلّم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة . ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله . « 4 » وقال الجنيد : سألني السّريّ يوما عن المحبة ، فقلت : قال قوم : هي الموافقة ، وقال قوم : الإيثار ، وقال قوم : كذا وكذا . . ، فأخذ السريّ جلدة ذراعه ، ومدّها ، فلم تمتدّ ، ثم قال : " وعزّته تعالى ، لو قلت : إن هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبّته لصدقت ! " . ثم غشّي عليه ، فدار وجهه كأنه قمر مشرق ، وكان السري به أدمة . « 5 » ويحكى عن السريّ أنه قال : " منذ ثلاثين سنة أنا في الاستغفار من قولي : الحمد لله ، مرة " . قيل : وكيف ذلك ؟ . فقال : وقع ببغداد حريق ، فاستقبلني رجل ، فقال لي : نجا حانوتك ! . فقلت : " الحمد لله " ، فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم على ما قلت ، حيث أردت لنفسي خيرا مما حصل للمسلمين ! ! ! . « 6 »
--> ( 1 ) تاريخ بغداد 9 / 192 ، وطبقات ابن الملقّن 161 ، والرسالة القشيرية 1 / 69 - 70 . ( 2 ) أي : ومن قامت به هذه المعاني فهو الصوفي . ( 3 ) قال العروسي في نتائج الأفكار القدسية : " والمعنى أنّ نور المعرفة الذي من جملته علم ويقين ، ولا يطفئ نور الورع المفيد للاجتهاد ، وبذل الوسع في الطاعة ، والعمل ، فلا يجوز ترك العمل والاعتماد على ما سبق به القضاء " . ( 4 ) الرسالة القشيرية 1 / 70 . ( 5 ) أي سمرة ، انظر : المرجع السابق . ( 6 ) تاريخ بغداد 9 / 188 ، تاريخ الإسلام للذهبي 19 / 151 .