أحمد بن يحيى العمري
44
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وقال حاتم الأصم : كان شقيق البلخي موسرا ، وكان يتفتّى « 1 » ، ويعاشر الفتيان ، وكان علي بن عيسى بن ماهان أمير بلخ ، وكان يحب كلاب الصيد ، ففقد كلبا من كلابه ، فسعي برجل أنه عنده ، وكان الرجل في جوار شقيق ، فطلب الرجل ، فهرب . . فدخل دار شقيق مستجيرا ، فمضى شقيق إلى الأمير ، وقال : خلّوا سبيله ، فإن الكلب عندي ، أردّه إليكم إلى ثلاثة أيام . فخلّوا سبيله ، وانصرف شقيق مهتمّا لما صنع ، فلما كان اليوم الثالث ، كان رجل من أصدقاء شقيق غائبا من بلخ ، فرجع إليها ، فوجد في الطريق كلبا عليه قلادة ، فأخذه ، وقال : أهديه إلى شقيق ، فإنه يشتغل بالتفتّي . فحمله إليه ، فنظر شقيق ؛ فإذا هو كلب الأمير ! . فسرّ به ، وحمله إلى الأمير ، وتخلّص من الضمان ، فرزقه الله الانتباه ، وتاب مما كان فيه ، وسلك طريق الزهد . وقال شقيق : لقيت إبراهيم بن أدهم بمكة في سوق الليل ، وهو جالس في ناحية من الطريق يبكي ، فعدلت إليه ، وسلّمت عليه ، وقلت له : أيش هذا البكاء يا أبا إسحاق ! ؟ . فقال : حين عاودته مرة أو اثنتين ، أو ثلاثة ، فلما أكثرت عليه قال : يا شقيق ! أنا أخبرك [ بحديث فلا تحدّث به أو استره علي ] . فقلت : يا أخي ! قل ما شئت . فقال : اشتهت نفسي السكباج « 2 » منذ ثلاثين سنة ، وأنا أمنعها جهدي ، فلما كان البارحة ، كنت جالسا وقد غلبني النعاس ، إذا أنا بفتى شاب ، وبيده قدح أخضر يعلو منه بخار ، ورائحة سكباج ، قال : فاجتمعت بهمتى عنه ، فقرب مني ، وقال : يا إبراهيم ! كل . فقلت : ما آكل شيئا قد تركته لله تعالى . فقال : وإن أطعمك الله فما تأكل ؟ . فما كان لي جواب إلا أنني بكيت . فقال لي : كل يرحمك الله . فقال إبراهيم : قد أمرنا أن لا نطرح في
--> ( 1 ) أي يفعل فعل الفتيان والشباب . ( 2 ) السّكباج : بالكسر ، معرّب " سنكباج " : مرق معروف فيه زعفران ، ولذا يوصف بالأصفر ، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما " : كان يأكل السّكباج في إحرامه " . انظر " قصد السبيل للمحبي 2 / 140 " .