أحمد بن يحيى العمري
402
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
عنهم من علوم الطريقة والحقيقة ما تقدم ، تمهيد العلوم الشرعية ، لسلوكه فيه ، حتى برع وبزّ أهل زمانه ، وساد على أبناء دهره ، وأطلق قلمه بالإفتاء ، واشتغل عليه أنواع الطلبة ، وأخذت عنه طوائف المريدين ، وتكلم على رؤوس الأشهاد ، وحضر مجلسه الخاص والعام ، ولم يزل يشار إليه بالإجلال ، ويذكر بالتعظيم . وكنت أسمع به ولا يقيض لي به لقاء ، ثم أصيب بما لم يخل منه مثله ، فخلى في بعض مجالسه وقد شرع في كلام ما كمّله ، وأخذ في قول ما أتّمه ، فقام ابن الكاتب المالكي وقطع عليه الكلام ، وأخذ في الإنكار عليه ، وقام معه أناس قلائل ، وهمّ بهم السواد الأعظم حتى كادوا يثبون بهم ، ثم حجز بين الفريقين ، ورفع ابن الكاتب القضية إلى الحكام ، وكان كلاما يقتضي قبل تمامه ما أوقد حميّة بعض الحكام عليه ، فتحدّث مع البقية ، ثم حدّثوا السلطان فيه ، فاستتشاط غضبا وأمرهم فيه بأمر كاد لا يستدرك ، فقيض له من بلّغ السلطان القضية وأوصل إليه الخبر على حقيقته ، وعرّفه بمكانة الشيخ ، وما هو عليه من العلم ، والدين ، فسخّره الله له ، وقلب تلهّب غيظه عليه بردا وسلاما له ، وبعث إلى الحكام بالتمهل في أمره ، ثم طلبه السلطان ، وادّعى عليه لديه ، وسأله عما قال ؟ . فاعترف ، فحكم بصحة إسلامه ، وقبول دولته وإبقائه على ماله وزوجته ، وعدالته ، ومناصبه ، بعد استيفاء الشرائط الشرعية ، وفعل كما يجب شرعا . ثم عقد له مجلس بالمدرسة الصالحية ، عند قاضي القضاة جلال الدين القزويني « 1 » ، فطلبه ؛ فنزل من القلعة إليه ، والناس حوله ، وقد ملأ سواد الناس ما بين القلعة والمدرسة ، فلما حضر مجلس الحكم العزيز ، ادّعى عليه ، فأجاب بما حكم به السلطان ، وأوصل حكم السلطان بالقاضي القزويني ، وحكم حكما آخر مستقلا للشيخ بمثل ذلك ، وامتنع من
--> ( 1 ) هو جلال الدين محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن محمد القزويني ، توفي بدمشق في جمادى الأولى سنة 739 هجرية . انظر ترجمته في : الوافي بالوفيات 3 / 242 - 243 ، والبداية والنهاية 14 / 185 ، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 56 - 57 ، بغية الوعاة 1 / 56 - 57 ، الدرر الكامنة 4 / 3 - 6 .