أحمد بن يحيى العمري

40

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

ولما توفي ، رآه بعض الصالحين في المنام ، وهو يعدو ، فقال له : مالك ؟ . فقال : " الساعة تخلّصت من السجن " . فاستيقظ الرجل [ من منامه ] ، وارتفع الصّياح [ يقول الناس : ] مات داود الطّائي . وقال له رجل : أوصني . فقال له : " عسكر الموت ينتظرونك " . ودخل عليه بعضهم ، فرأى جرّة ماء انبسطت عليها الشمس ، فقال له : ألا تحوّلها إلى الظلّ ؟ . فقال : " حين وضعتها لم يكن شمس ، وأنا أستحي أن يراني الله أمشي لما فيه حظّ نفسي « 1 » " . ودخل عليه بعضهم ، فجعل ينظر إليه ، فقال : أما علمت أنهم كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام ؟ . وقال أبو الربيع الواسطي : قلت لداود الطائي : أوصني . فقال : " صم عن الدنيا ، واجعل فطرك الموت ، وفرّ من الناس كفرارك من الأسد « 2 » " .

--> ( 1 ) حلية الأولياء 7 / 351 ، 352 ، الكواكب الدرية 1 / 104 . ( 2 ) وقيل : دخل عليه رجل فقال له : ما حاجتك ؟ قال : زيارتك ! . فقال : أما أنت فقد فعلت خيرا حين زرت ، ولكن انظر ما ينزل بي أنا ، إذا قال لي : من أنت لتزار ؟ . من الزهاد ؟ لا والله ! ، أنت من العبّاد ؟ لا والله ! ، أنت من الصالحين ؟ لا والله ! ، ثم أقبل يوبّخ نفسه : كنت في الشبيبة فاسقا ، ولما شبت صرت مرائيا ؟ . الكواكب الدرية 1 / 104 . فانظر يا أخي إلى ما كانوا عليه وإلى ما صار حالنا إليه ، ثم يأتي أقوام في أيامنا - النحسات - هذه ويقولون بكل صفاقة وتبجح ، وسوء أدب - يقولون : " نحن رجال وهم رجال " وهي مقالة لبّس الشيطان عليهم بها ، وكان الأجدر أن يقولوا : " هم ذكور ونحن ذكور " اشتركنا معهم في الذكورية لا الرجولة ، فيا ترى : هل فعل هؤلاء بعض ما عمله أولئك الرجال - رضي الله عنهم - من تقوى ، وطاعة ، وعبادة ، وورع ، وتلاوة للقرآن ، وصيام النهار ، وقيام الليل ، وغير ذلك من ضروب الطاعات ، وصنوف المجاهدات ؟ ، حتى يتجرأ البعض ممن أعمى الله بصره وبصيرته فيقول : " هم رجال ونحن رجال " ! ! ، وكان أحرى بهم أن يعرفوا قدرهم ، ويقفوا عند حدهم ، لكنه الخذلان - والعياذ بالله - ، ونعوذ به منه . فاللهم استرنا بسترك الجميل ، واقبلنا على ما فينا ، بجاه حبيبك المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لا تردنا خائبين ، فليس لنا عمل إلا شبهة محبة هؤلاء العارفين الصادقين ، فوفقنا للصدق في محبتهم واجعله بين أيدينا يوم نلقاك يا رب العالمين بحرمة سيد المرسلين وآله الطيبين الطاهرين وكل من له جاه آمين .