أحمد بن يحيى العمري
398
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
سكرية مبرّدة ، مثل الأقسما التي تعمل للسلطان ، وقال لي : اشرب هذه فإنك قد جئت من حر الطريق . وحكى لي الشيخ أحمد بن عمر الأنصاري قال : الشيخ محمد المرشدي يتوجّه في كل سنة إلى " كوم فرح " أظنه قال : في نصف شعبان ، ويأتيه من الخلائق ما لا يحصى كثرة ، ومعهم دوابّهم ، و " كوم فرح " في مكان منقطع ، شاسع ، ويقيم الناس عند الشيخ ثلاثة أيام ، وهو يقوم بهم ، وبما يحتاجون إليه من طعام وشراب ، وعليق ، كل هذا يتولاه بنفسه ، ولا يعرف من أين يأتي به ؟ ! . وحكى لي الأمير الوزير مغلطاي الجمالي « 1 » - رحمه الله تعالى - قال : توجّهت إلى زيارة الشيخ محمد ، فلما قربت منه ، اشتهيت قمحية بلبن حليب ، بلحم خروف رميس ، فلما وصلنا ، جاء ومعه زبدية كبيرة فيها قمحية بلبن حليب بلحم خروف رميس ، وقال لي : كل ، ثم بقي يغيب ويجيب أشياء أخر ، ويضعها قدام مماليكي . وكلما جاب شيئا إلى واحد منهم يعجب منه ويقول : والله أنا كنت قد اشتهيته ! . وأحضر أكثر من عشرين لونا ما يطبخ إلا في مطبخ السلطان . وحكى لي شهاب الدين أحمد بن مليح الإسكندري بالإسكندرية ، قال : نويت زيارة الشيخ محمد في نفسي ، وقلت : لعلّي أصادف عنده هيطلية بسمن وعسل آكل منها ؟ . فجاء كتاب وكيل الخاص باستعمال حوائج السلطان أعاقني عن ما عزمت عليه ، فلم يمض غير يومين أو ثلاثة ، وإذا أنا برجل قد أتاني من عند الشيخ ، وقال : الشيخ يسلم عليك ، وقد بعث لك هذا السمن والعسل لتعمل لك هيطلية ، وتأكلها بهما ، ولو كانت تحمل إليك بعث لك بها .
--> ( 1 ) هو علاء الدين مغلطاي بن عبد الله الجمالي ، المعروف بخرز ، توفي بعقبة أيلة ، وهو عائد من الحج في المحرم سنة 732 هجرية ثم حمل إلى القاهرة فدفن فيها . انظر ترجمته في : الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني 4 / 354 - 355 ، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي 9 / 291 - 292 .