أحمد بن يحيى العمري
393
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
قدم واحدة في الاجتهاد والعبادة ، وقلة المبالاة بعيشه كيف كانت ، ودنياه كيف نقصت ، متقللا من قليلها بجهده ، مقبلا على الآخرة بكليته ، يتصدّق بفضله ، ويواسي في كفافه ، ويؤثر من قوته ، إلى كرم عزيز ، وقنع باليسير . ومما حكي عنه من الورع أنه لما رأى ما ينال الناس من الظلم في كرى « 1 » الخليج الواصل إلى الإسكندرية من النيل ، أعرض عن مائه ، وحمله التدقيق في الورع على أن حفر له بئرا كان يشرب منها ، وينقل الماء منها بالجرار ، على دابة ليسقي بستانه ، وكان إذا وجد رطبة ساقطة تحت نخلة ولم يشاهد سقوطها منه لا يرفعها ، ولا يأكلها ، لاحتمال أن طائرا جناها من نخل غيره ، وسقطت منه تحت نخله ، وبالجملة لم يخلف بعده مثله « 2 » وحكى علي بن حمزة النقيب ، عن أبي المظفر يوسف بن عبد العزيز الدمنهوري ، قال : أتيت الشيخ أبا القاسم وتهيبته أن أطرق عليه الباب ، فوقفت لعلي أجد من يستأذن لي عليه ، فسمعته يبكي وينشد : كيف برئي وداء وجدي عضال * ونهوضي وعثرتي لا تقال وعزيز على أهون شيء في هوا * ه ما قالت العذّال يا نسيم الشمال من أرض نجد * فيك للصب صحة واعتلال لي بالجزع حاجة ليس تقضى * وغريم يلذ منه المطال يا لقومي كم ذا تسل سيوف * لقتالي وكم تراش نبال أنت أحلى في القلب من أمل * القلب إذا ما تناهت الآمال قال : ولم يزل يرددها وهو يبكي ويشهق ، حتى خفت عليه ، فطرقت عليه الباب ، فقطع إنشاده وسكّن زفراته ، وغيّض عبراته ، ثم أذن لي ، فدخلت عليه ، فقال : لعلك سمعت شعرا كنت أنشده ؟ فقلت : كان ذلك ، ولقد خشيت عليك والله مما كنت فيه . فقال : يا هذا ! تذكرت عشقة منذ عهد الصبا أنا إلى الآن في سكرها ، وربما كانت في وقت أشد من
--> ( 1 ) الكرى : الحفر . ( 2 ) ذيل مرآة الزمان 2 / 316 .