أحمد بن يحيى العمري
386
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ولولا مراعاة الصيانة غيرة * وإن كثروا أهل الصبابة أو قلّوا « 1 » لقلت لعشّاق الملاحة أقبلوا * إليها ، على رأبي ، وعن غيها ولّوا وإن ذكرت يوما ، فخرّوا لذكرها * سجودا وإن لاحت إلى وجهها ، صلّوا وفي حبها بعت السعادة بالشقا * ضلالا وعقلي عن هداي به عقل « 2 » وقلت لرشدي والتنسك والتقى * تخلوا وما بيني وبين الهوى خلّوا وفرّغت قلبي من وجودي مخلصا * لعلّي في شغلي بها معها أخلو ومن أجلها أسعى لمن بيننا سعى * وأعدو ولا أغدو لمن دأبه العذل فأرتاح للواشين بيني وبينها * لتعلم ما ألقى وما عندها جهل وأصبو إلى العذّال حبا لذكرها * كأنهم ما بيننا في الهوى رسل فإن حدّثوا عنها فكلي مسامع * وكلّي إن حدّثتهم ألسن تتلو تخالفت الأقوال فينا تباينا * برجم ظنون بيننا ما لها أصل « 3 » فشنّع قوم بالوصال ولم تصل * وأرجف بالسلوان قوم ولم أسل وما صدق التشنيع عنها لشقوتي * وقد كذبت عني الأراجيف والنقل وكيف أرجّي وصل من لو تصورت * حماها المنى وهما ، لضاقت بها السبل وإن وعدت لم يلحق الفعل قولها * وإن أوعدت فالقول يسبقه الفعل عديني بوصل وامطلي بنجازه * فعندي إذا صحّ الهوى حسن المطل
--> ( 1 ) يقول - رضي الله عنه - في هذا البيت والذي يليه : ولولا مراعاة الصيانة التي بها تؤدى حقيقة الأمانة ، لأظهرت الحال ، وقلت لعشاق الملاحة أقبلوا إلى الحبيبة بإعلان الإباحة ، واتركوا ما سواها ، وإذا ما سمعتم ذكرها فاسجدوا تعظيما لوصفها ، وإن ظهر وجهها للناظرين فكونوا إليه من المصلين ، ولكني تركت ذلك المقال سترا لما عندي من الحال ، فإن صيانة الهوى مطلوبة . ( 2 ) العقل : المنع " اللسان مادة عقل " . ( 3 ) يقول - رضي الله عنه - في هذا البيت والذي يليه : لقد اختلفت في حالي والمحبوبة أقوال الوشاة اختلاف تباين ، فقد شنع قوم منهم بالوصال ، والحال أنها لم تصل ، وأرجف بالسلوان قوم آخرون ، والحال أنني ما سلوت ، فأما التشنيع عنها بالوصال فما صدق ، وعدم صدقه لشقوتي ، وأما الأراجيف والنقل عني بالسلوان فهي أحاديث كاذبة .