أحمد بن يحيى العمري

362

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

للصلاة ، وأنا خلفه ، فرأيت شيئا من قشور الموز مطروحا في الوادي ، وهو طري . فقلت في نفسي : آخذ منه كفا أو كفّين ، أتركه في كمي لا يراني الشيخ . فلما صرنا في الجبل ، وانقطعنا عن الناس ، التفت إلي وقال : اطرح ما في كمك يا شره ! ، فطرحته ، وأنا خجل ، وتوضّأنا للصلاة ، ورجعنا إلى المسجد ، وصلينا الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، فلما كان بعد ساعة إذا أنا بإنسان قد جاء ومعه طعام عليه مكبّة ، فوقف ينظر إلى ذي النون ، فقال له : مرّ . فدعه قدّام ذاك ، وأومأ بيده إلي ، فتركه الرجل بين يدي ، فانتظرت الشيخ ليأكل ، فلم يقم من مكانه ، ونظر إلي وقال لي : كل ، فقلت : وحدي ؟ . فقال : نعم ، أنت طلبت ، نحن ما طلبنا ، يأكل الطعام من طلبه ، وأقبلت آكل وأنا خجل مستح مما جرى مني . توفي ذو النون المصري سنة خمس وأربعين ومائتين . وقيل : سنة ثمان وأربعين ومائتين . وقال أبو بكر محمد بن ريان الحضرمي : لما مات ذو النون بالجيزة ، حمل في قارب ؛ مخافة أن تنقطع الجسور من كثرة الناس مع جنازته ، وكنت قائما مع الناس على كوم أنظر ، فلما رجع من القارب ، ووضع على الجنازة ، وحمله الناس ، رأيت طيورا خضرا قد اكتنفت الجنازة ، ترفرف عليه ، حتى عطف به إلى عند حمام الغار ، وغاب عني . حكى في " مناقب الأبرار " عن يوسف بن الحسين « 1 » قال : بلغني أن ذا النون يعلم اسم الله الأعظم ، فخرجت من مكة قاصدا إليه ، حتى وافيته في حدة ، فأول ما نظرني رآني طويل اللحية ، وفي يدي ركوة طويلة ، متزرا بمئزر ، وعلى كتفي مئزر ، وفي رجلي [ . . . ] « 2 » ، فاستبشع منظري ، فلما سلمت عليه كأنه ازدراني ، وما رأيت منه تلك البشاشة ، فقلت في نفسي : ترى مع من وقعت ؟ وجلست عنده ، فلما كان بعد يومين أو ثلاثة ، جاءه رجل من المتكلمين فناظره في شيء من الكلام ، واستظهر على ذي النون وغلبه ، فاغتممت لذلك ، وتقدّمت ، وجلست بين أيديهما ، واستملت المتكلم إلي وناظرته حتى قطعته ، ثم دققت حتى لم يفهم كلامي ، قال : فعجب ذو النون من كلامي ، وكان

--> ( 1 ) يوسف بن الحسين الرازي أحد مشايخ الري ، وصاحب ذي النون المصري ، انظر : طبقات ابن الملقن 221 / 11 . ( 2 ) ما بين المعقوفتين كلمة مطموسة لم أتبينها .