أحمد بن يحيى العمري

329

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

لتسببت . إلهي ! وأنت تعلم عقيدتي أنني أعتقد أن الإبرة والملقاط ما لهما إبراء البتة ، فلا تحتجب عني بهما " . قال : فنوديت في باطني : نعم ، الأمر كذلك ، ولكن إليهما ركون . فقلت : إلهي ! ولا ركون . وإذا بالشوكة قد نفرت بحدة من رجلي ، وضربتني بقوة في إصبع يدي المسبحة اليمني ، وسقطت على الأرض ، فقمت ومضيت لسبيلي بفضل الله تعالى . وحكي عن ابن عربي أنه قال : لي إلى مكة تردد ، فما حججت لنفسي إلا حجة الإسلام ، ولا اعتمرت سوى عمرة الفريضة ، والباقي لمن شاء الله تعالى ، لكني ما أهدي ذلك إلا لمن لا يكاد يرجى له خير . وحكي عنه أنه قال : ذهب بعضهم إلى أن قوله عليه الصلاة والسلام : ( أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين ) « 1 » ، إنما هو لئلا يبلغوا حد الخرف ، الذي يفارق فيه النفوس على حالة الجهل . وحكى شيخنا أبو الثناء الحلبي : أن رجلا كان في زمانه يجيد الخط ، وأن بعض ملوك دمشق أعطاه مصحفا بخط ابن البواب لينقل له منه ، فبينما هو مفتوح قدامه في ليلة من الليالي ، والسراج يقد ، وهو يكتب ، إذ سقط السراج ، فتبدد زيته على المصحف ، فأيقن الرجل بالبلاء ، والصبر للقتل والجلاء ، وبات بشرّ ليلة تكون . فلما أذن للصباح ، أتى المسجد الجامع ليصلي ، فرأى ابن عربي إلى جانبه ، فلما قضى ركعتي المسجد ، التفت إليه ابن عربي بوجهه ، وقال له : ما صناعتك ؟ . قال : أنسخ . فقال له : فإن وقع السراج وتبدّد زيته على شيء قدّامك مضنون به ، ما تصنع به حتى يذهب الزيت ؟ . فأكبّ على يديه يقبّلها ، ويقول : هذا والله ! جرى لي البارحة ، وقصّ عليه قصّته ، فضحك الشيخ ، وقال : لا يهمّك ، خذ عظام الأكارع الصغار ، فاحرقها ، واسحقها ، وإسحاق

--> ( 1 ) حديث : أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين ؛ وأقلهم من يجوز ذلك . رواه الترمذي بسنده عن أبي هريرة ، وأبو يعلى في مسنده عن أنس . ورمز السيوطي لحسنه في الجامع الصغير 1 / 156 الحديث رقم 1199 .