أحمد بن يحيى العمري

31

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وقال إبراهيم بن بشار « 1 » : سألت إبراهيم بن أدهم عن العبادة ؟ فقال : " رأس العبادة التفكر ، والصمت ، إلا عن ذكر الله تعالى " . وقد بلغني إنه قيل للقمان : ما بلغ من حكمتك ؟ فقال : لا أسأل عما قد كفيت ، ولا أتكلّف ما لا يعنيني . ثم قال : يا ابن بشار ! إنما ينبغي للعبد أن يصمت أو يتكلّم بما ينتفع به أو ينفع به من موعظة ، أو تنبيه ، أو تخويف ، أو تحذير . يا ابن بشار ! مثّل لبصر قلبك حضور ملك الموت - عليه السلام - لقبض روحك ، فانظر كيف تكون ؟ . ومثّل هول المطلع ، ومساءلة منكر ونكير . فانظر كيف تكون ؟ . ومثّل القيامة وأهوالها ، وأفزاعها ، والعرض ، والحساب ، والوقوف ، فانظر كيف تكون ؟ . ثم صرخ صرخة ، ووقع مغشيّا عليه . وكتب عمر بن منهال القرشي إلى إبراهيم بن أدهم ، وهو بالرملة : أن عظني موعظة أحفظها عنك . فكتب إليه : " أما بعد . . . فإن الحزن على الدنيا طويل ، والموت من الإنسان قريب ، وللنقص منه في كل وقت نصيب ، وللبلاء في جسمه دبيب ، فبادر بالعمل قبل أن ينادى بالرحيل ، واجتهد في العمل بدار الممر قبل الانتقال إلى دار المقر " . وقال أحمد بن الفضل العكي : سمعت أبي يقول : مرّ إبراهيم بن أدهم بقيسارية « 2 » ، وقد

--> ( 1 ) إبراهيم بن بشار بن محمد ، أبو إسحاق الخراساني ، الصوفي ، خادم إبراهيم بن أدهم ، كان ينتسب إلى ولاء معقل بن يسار ، قدم بغداد ، وحدّث بها . تاريخ بغداد 6 / 47 . ( 2 ) قيسارية : بلد على ساحل بحر الشام ، تعدّ في أعمال فلسطين ، بينها وبين طبرية ثلاثة أيام ، وقيسارية أيضا مدينة كبيرة في بلاد الروم . انظر : " معجم البلدان " لياقوت 4 / 421 ، و " الروض المعطار " للحميري صفحة 486 ، وانظر خبر فتحها في " تاريخ خليفة بن خياط " ص 141 ، و " تاريخ الإسلام " للذهبي 2 / 26 ، و " تاريخ الطبري " 4 / 102 .