أحمد بن يحيى العمري

302

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

ولما قدمت حلب سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة ، رأيت هذا الشيخ وقد جاء إلى الطنبغا ملك الأمراء ، مسلّما عليه ، فرأيت رجلا يملأ العين والصدر سيماؤه على جلالة القدر . ولما اجتمع بالطنبغا أكرمه إكراما يليق بمثله ، وعامله معاملة عارف بفضله ، إلا أن الشيخ أنكر عليه ما فعله بطشتمر ، وخوّفه عاقبة البغي ، ويوشك أن يؤخذ قريبا ، فثقل عليه كلامه ، وقام الشيخ وقد طال عليه مقامه هذا ، ولم نأت الأخبار بقصد الفخري دمشق ، إلا أنه قد طاح إلي الخبر سرا ، ولم نظهر عليه أحدا ، إلا أنا والطنبغا . ثم لم نلبث أن جاءت الأخبار ، فلما كان يوم الجمعة الآتية في أسبوع قدومنا ، صلينا الجمعة في جامع الطنبغا ، قريبا من سوق الخيل بحلب ، فقيل لي : إن الشيخ في بيت له ، فدخلت ، وجلست إليه ، وأخذنا في الحديث ، فقال لي : يا أخي ! هذا الرجل قد آن أن يطل دمه ، وأرى النصح لا يلج أذنه ، فعرفته خبر الفخري ، وما كان منه ، فقال : هذا الرجل ينهزم من قدامه كما انهزم طشتمر من قدام هذا ، ثم يقتل هذا ، وكان الأمر كما ذكر . ثم إن الشيخ لم يجتمع بالطنبغا ، بعد تلك المرة ، وحرض به أن يعود إليه ، فما عاد ، وهمّ بأن يتوجه لزيارته ، فعاقت دون ذلك العوائق . قلت : وأهل هذا البيت لهم زرع ومتجر ، ومنه ينفقون نفقات موسعة ، وكانت قد تأكدت بيني وبينه الصحبة في الله تعالى ، منذ تلاقينا بحلب . ومما كتبت به إلى رجلين سافرا إلى حلب : بالله إن جئتما بلادا لها * ابن نبهان كالحلي تأملا منه أي بر * وفيه يخر لكل ري وعارضا النو في رباه * وقبّلا عارض الولي ثم لم تلبث الأخبار أتت بوفاته ، وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة . ومما كتبت فيه أعزي بيته من قصيدة وافق فيها تضمين بيت أبي تمام الرابع :