أحمد بن يحيى العمري
29
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
فنزل عن دابّته ، وصادف راعيا لأبيه ، فأخذ جبّته ، وكانت من صوف ، فلبسها ، وأعطاه ثيابه ، وقماشه ، وفرسه . ثم دخل مكة ، وصحب بها سفيان الثوري « 1 » ، والفضيل بن عياض « 2 » ، ثم ارتحل إلى الشام ، وأقام بها . وكان يأكل من عمل يده ؛ مثل : الحصاد ، وعمل البساتين ، وغيرهما . وصادف في بعض البراري رجلا علّمه " اسم الله الأعظم " فدعا به ، فرأى الخضر عليه السلام . « 3 » وكان - رضي الله عنه - كبير الشان في باب الورع : يحكى عنه أنه قال : " أطب مطعمك ، ولا حرج عليك أن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار " .
--> ( 1 ) هو سفيان بن سعيد الثوري ، ولد سنة 97 هجرية ، وتوفي بالبصرة سنة 161 هجرية ، وكان عالما عابدا زاهدا ، كانوا يسمونه أمير المؤمنين في الحديث ، وكان لا يعلم أحدا العلم إلا إذا تعلم الأدب والتزمه . وكان يقول : إذا فسد العلماء فمن بقي في الدنيا يصلحهم ؟ ثم ينشد : يا معشر العلماء يا ملح البلد * من يصلح الملح إذا الملح فسد وكان إذا جلس للعلم ، وأعجبه منطقه ، يقطع الكلام خوفا من الغرور ، ويقوم ، ويقول : أخذنا ونحن لا نشعر ! ، وكان يملي الحديث ، ويقول : والله لو رآني عمر بن الخطاب لضربني بالدرة ، وأقامني ، وقال : " مثلك لا يصلح للحديث " . وكان يقول للناس إذا طلبوا منه الحديث : " والله ما أرى نفسي أهلا لإملاء الحديث ، ولا أنتم أهلا لأن تسمعوه ، وما مثلي ومثلكم إلا كما قال القائل : " افتضحوا فاصطلحوا " . وكان قد امتنع من الجلوس للعلم ، فقيل له في ذلك فقال : والله لو علمت أنهم يريدون بالعلم وجه الله لأتيتهم في بيوتهم وعلّمتهم ، ولكن إنما يريدون المباهاة وقولهم حدثنا سفيان " . انظر : خلاصة تذهيب الكمال 123 ، وتاريخ بغداد 9 / 151 - 174 . ( 2 ) هو أبو علي الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي شيخ الحرم ، من أكابر العباد الصلحاء . كان ثقة في الحديث ، أخذ عنه الإمام الشافعي ، ومولده في سمرقند سنة 105 هجرية ، وتوفي بمكة سنة 187 هجرية . ( 3 ) وقال له : إنما علّمك أخي داود الاسم الأعظم ، فلا تدع به على أحد بينك وبينه شحناء ، فتهلكه هلاك الدنيا والآخرة ، ولكن ادع الله أن يشجّع به جبنك ، ويقوّي به ضعفك ، ويجدّد به في كل ساعة رغبتك ، ثم انصرف وتركه . " طبقات الصوفية للسلمي 30 - 31 ، الرسالة القشيرية 1 / 55 " .