أحمد بن يحيى العمري

27

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وكم تعلّق بغباره ذوو الألباب . روي أنه كان يقول : " كل عمل لا يكون سرّه عندك آثر عندك من علنه فهو رياء " . قال بعضهم : صحبت في طريق الحجّ رجالا منهم حبيب العجمي ، فكنت أظنّه غلامهم لقيامه بخدمتهم ، فسألتهم عنه ؟ فإذا هو سيدهم . وقال عبد الله القاشاني : بقيت أياما أحدّث نفسي : أي الرجال أفضل درجة ؟ - أعني من رجال القوم - فبينا أنا نائم ليلة من الليالي ، وإذا أنا أنظر إلى السماء وهي كالصحيفة ، وفيها مكتوب بخط من نور ، سطر من المشرق إلى المغرب ، فقرأته فإذا هو : " حبيب ، حبيب ، حبيب " مكرّرة ثلاث مرات . وحكي عنه قال : كان حبيب بين جماعة في يوم شديد الحر في ذروة جبل مقفر ، من أرض سجستان ، فقالوا : لقد أضرّت بنا هذه الظهيرة ، وقد حانت الصلاة ، فكيف نقوم بها ونحن نكاد نتساقط ؟ . قال : فدمعت عين حبيب ثم قال : " اللهم إنهم عبادك يريدون طاعتك ، اللهم فاسقهم " . قال : فكأنما فتحت أبواب السماء بالمطر ، وأتاهم عارض من برد ، فابتردوا به وشربوا ، وتوضئوا . ثم قاموا فصلّوا ، فلما فرغوا أمسكت السماء . وحكى عنه قال : حججت مرة ، فلما كان يوم عرفة ، صعدت الجبل حتى كنت بأعلاه ، فنظرت بعيني ؛ فإذا بالسهل والجبل قد فرشها الحجّاج ، وكانت سنة جامعة ، فاستكثرت أهل الموقف ، فقلت في نفسي : " لعلّ في هؤلاء من لا يغفر له ! " فسمعت قائلا يقول بصوت ملأ ما بين الجبلين : " هو أكرم من هذا " . قلت : ويقرب من هذا ما حكاه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في ترجمة " سليمان ابن داود المباركي عن التتائي قال : " أفضت من عرفات وقد مضى الناس ، فبينما أنا أسير وحدي ، إذا أنا برجلين يقول أحدهما لصاحبه : يا حبيب ! . فقال الآخر : لبيك ! . قال : أترى الذي تحاببنا فيه ، يعذّبنا ؟ . قال : فسمعوا صوتا : " ليس بفاعل ، ليس بفاعل " .