أحمد بن يحيى العمري
266
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
أنكرته ، فسألت شيخا هناك : ما هذه القرية ؟ فقال : من أين أنت ؟ . فقلت : من بغداد . خرجت منها من ساعة . فقال : أظنك لا تعقل ما تقول ، بينك وبين بغداد أكثر من سنة ! . فقلت : والله لقد خرجت منها من أقل من ساعتين . فقال : حدّثني قصّتك . فحكيت له أمري عن حليته ، فقال : إن كنت صادقا فارجع إلى المسجد الذي دخلت إليه معه فانتظره ، فإنه سيعود إليه . فرجعت إلى ذلك المسجد ، فلما كان وقت العصر ، حضر ذلك الشخص الذي تبعته ، فلزمته ، وتشبثت به ، وبكيت ، وتضرّعت إليه ، فانتهرني ، ثم رقّ لي ، ورجع بي إلى بغداد ، فوصلناها في مثل المسافة التي خرجنا منها ، وصحبته ، وخدمته مدة ، وأراد السفر ، فأردت صحبته ، فمنعني ، وقال : لا تقدر على ذلك ! . وأنا مسافر إلى البلد الفلاني ، وأموت في الوقت الفلاني ، فإذا كان ذلك الوقت ، فاحضر ذلك المكان ، واشهدني . فلما دنا الميعاد ، حضرت فوجدته في الموت ، وقد توجّه إلى الشرق ، فأدرته إلى القبلة ، وهو ينحرف إلى الشرق ، وتكرر ذلك منه ومني ، فنظر إليّ ، وقال : لا تتعب - هو إنما يموت نصرانيا ! - وتكلم بما يدين به النصارى ويعتقده ، ففارق ، فحملناه إلى دير مشهور هناك ، فيه جماعة من الرهبان ، فوجدناهم في تألم شديد ، وذكروا لنا أنهم كان عندهم راهب عظيم ، قد أتى عليه مائة سنة ، وأنه توفي تلك السنة ، بعد أن أسلم ، فسلمنا إليهم صاحبنا ، فتولوا أمره ودفنوه ، وتسلمنا ذلك الراهب وغسّلناه ، ودفنّاه . فألام على كثرة البكاء ؟ ! . فنسأل الله تعالى حسن الخاتمة ، وأن يتوفانا على الإسلام والسّنة ، آمين . توفي الشيخ علي البكّاء - رحمه الله تعالى - ببلد الخليل عليه السلام في أوائل شهر رجب سنة سبعين وستمائة ، ودفن بزاويته .