أحمد بن يحيى العمري
229
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
عيني لكلّ شيء قالته لي نفسي . فإن قالت لي : كل . أجوع ، وإن قالت : نم ، سهرت ، وإن قالت : استرح ، أتعبتها . قال ابنه عبد الله : انقطع أبي رحمه الله تعالى تحت الصخرة في الأقباء السليمانية سنة ستين ، وصحب الشيخ عبد الله الأرموي ، بقية عمره ، وعاشا جميعا مصطحبين . قال : وحجّ ثلاث مرات محرما من القدس ، فقال : رجعت من الحج ، وأنا مريض ، لا أستطيع الكلام ، فانطرحت في البرّيّة ، فجاءني مغربي ، فسلّم عليّ ، فأومأت له ، فقال : قم . فأقامني ، وجعل يده تحت جناحي ، ثم سار بي يحدّثني بما أنا فيه ، وبما يكون مني ، لا أشكّ أني سائر في الهواء ، غير أني قريب من الأرض مقدار ساعة ، ثم قال : اجلس ! ، ونم ، فنمت ونام معي ، فاستيقظت ، فلم أجده ! . ووجدت نفسي قريبا من الشام ، وأنا طيّب ، ولم أحتج بعد ذلك إلى طعام ولا شراب حتى دخلت بيت المقدس . قال : [ ثم أخذ ولده عبد الله يصف توكّله وفناءه ومحبّته ورضاه ، ومقاماته ، وأن أخلاقه كريمة ، وهيبته عظيمة ، وأنه ] « 1 » بقي عشرين سنة بقميص واحد ، وطاقية على رأسه ، ثم سأله الفقراء أن يلبس جبّة ، فلبس ، وأنه ما لقي أحدا إلا ابتسم له . قال : ورأيت ابن شير المغربيّ ، وحجّ سنة ، ثم قدم وحضر عند الفقراء ، فقال : كيف كان وصول الشيخ ؟ . قالوا : الشيخ ما حجّ . فقال : والله لقد سلّمت عليه على الجبل وصافحته . ثم أتى إليه وسلّم عليه ، وقال : يا شيخ غانم ! أما سلّمت عليك بالجبل ؟ . فتبسّم وقال : يا شمس الدين ! هذا يكون بحسن نظرك ، والسكوت أصلح . وحكى الشيخ القدوة إبراهيم [ بن عبد الله ] الأرمويّ قال : حضرت مع والدي سماعا حضره الشيخ غانم ، والشيخ طيّ ، والشيخ علي الحريري ، فلما تكلم الحادي حصل للشيخ غانم حال ، فحملني وقام بي ، ودار مرارا ، فنظرت ، فإذا بي في غير ذلك الموضع ، ورأيت
--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل المخطوط استكمل من " تاريخ الإسلام " 46 / 119 .